قوله تعالى : أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى :
تذكّر أصله يتذكّر ، والمادّة فيه التذكّر أو الذكر ، وسيأتي البحث فيه .
ثُمَّ إنَّ التذكّر معنى إضافي يقوم بطرفين ، ومن هنا يُعلم أنَّ متعلّق التذكّر أو الذكر محذوفٌ ، والمشهور أنَّ المتعلّق هو الله سبحانه أو الحقّ أو الهداية ، وقد يكون الاعتبار ، كالاعتبار بالبلاء الدنيوي الذي مرّ على الإنسان أو على غيره ، أو على الأجيال السالفة ، أو الاعتبار بالآيات الآفاقيّة والأنفسيّة .
كما قد يكون المراد : تذكّر ما ينفعه في أمرٍ من أُمور الدنيا ، لا في أُمور الآخرة ، وإن كان هذا مخالفاً لسياق الآيات ، إلّا أنَّه أُطروحةٌ شاذّةٌ جائزةٌ في نفسها ، بأن يكون المراد : أنَّه يذكّر ما ينفعه في الدنيا من خيراتٍ ومصالح دنيويّةٍ اقتصاديّةٍ أو اجتماعيّةٍ أو غيرها .
ولعلّ السؤال الأهمّ في الآية الكريمة أنَّ الذكرى وردت بصفتها مصدراً للتذكّر : أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى فكأنَّ الذكرى مصدرٌ ليذكّر مع أنَّها ليست كذلك ؛ فإنَّ مصدر تذكّر هو التذكّر لا الذكرى ، فينبغي حينئذٍ أن يفترض السياق هكذا : أو ( يذكّر فينفعه التذكّر ) لا الذكرى .
أفاد الراغب : أنَّ الذكر تارةً يُقال ويُراد به هيئة للنفس بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة ، وهو كالحفظ ، أي : الذاكرة . يُقال : حفظت الشعر مثلًا أو حفظت القرآن ، أي : عن ظهر قلبٍ . إلّا أنَّ الحفظ يُقال اعتباراً بإحرازه أي : أحرزته داخل نفسي ، والذكر يُقال اعتباراً باستحضاره ، وهو محرزٌ في اللا شعور ، ولكننا نتذكّره بعد نسيانٍ . وتارةً يُقال لحضور الشيء القلب أو القول ، ولذلك قيل : الذكر ذكران : ذكرٌ بالقلب وذكرٌ باللسان . فيحضر شيءٌ في القلب ، وهي رغبةٌ قلبيّةٌ شديدةٌ ، أو شيء ما نحو الله أو نحو
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 142
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٤٢