الأوّل : أنَّ ما داخلةٌ على المضارع دون الماضي : وَمَا يُدْرِيكَ وهذا الاحتمال يقول : إنَّ هذا التركيب نظير قوله : وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ « 1 » .
الثاني : أنَّ التعجب ليس تعجّباً حقيقيةً ، بل هو تعجّبٌ استنكاري ، كحال السياق في سائر الآيات ، كما هو مفاد غير واحدةٍ من الأُطروحات ، وعليه الفهم المشهور ؛ فإنَّه استنكارٌ كلّه . لماذا عبس ؟ ولماذا تولّى ؟ وقد يكون التعجّب هنا للتبكيت أو للاستنكار ، فيكون بمعنى نفي التعجب .
ولا يخفى : أنَّ أصل ( تزكّى ) و ( يذكّر ) هو يتزكّى ويتذكّر ، فأُدغمت التاء بالحرف الذي يليها ، وكلٌّ منهما فصيحٌ وصحيحٌ ، وفيهما جهةٌ بلاغيّةٌ أيضاً من حيث وحدة الأُسلوب ، حيث أُدغم فيهما معاً .
والتزكية أيضاً مفهومٌ إضافي ، وطرفها محذوفٌ هنا ، فيزكّى يعني : يزكّي شيئاً مثلًا ، لكنّه حذف ما يُراد أن يزكّيه اعتماداً على الوضوح . والمشهور أنَّ المراد به النفس : يزكّي نفسه ؛ باعتبار أنَّها نجسةٌ بالأمر بالسوء ؛ لأنَّها أمّارةٌ بالسوء ، فإذا زكّيت عادت طاهرةً ، فينتفي عنها السوء .
والأقرب أن يكون الطرف هو نفسه ، فهو الفاعل والمنفعل بالتزكية ، لا نفسه بمعنى : النفس الأمّارة بالسوء ، بل النفس بمعنى التأكيد من قبيل : جاء زيدٌ نفسه ، فزيد يزكّي زيداً أو نفسه ، وإنَّما هو تعبيرٌ لغوي ، فالمزكّي هو زيدٌ ، والمزكّى هو زيدٌ أيضاً . والكثرة هنا عين الوحدة بالمعنى الباطني ، كما أفاد السبزواري في « منظومته » : ( والنفس في وحدتها كلّ القوى ) « 2 » . ومن هذه الناحية هو المزكّي والمزكّى ؛ لتعدّد ملكاته الباطنيّة والخلقيّة .
هامش
( 1 ) سورة القدر ، الآية : 2 .
( 2 ) شرح المنظومة 180 : 5 ، غرر في أنَّ النفس كلّ القوى .