تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
يخشى الفقر ، والمريض يخشى المرض هكذا . وهذا هو مجمل الكلام في السياق العامّ في الآية كقصّةٍ أو واقعةٍ . وأمّا تفاصيل بعض المعاني فسيأتي الكلام عنها عند التعرّض إلى مفردات الآيات بعد قليل بعونه تعالى . * * * * قوله تعالى : أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى : لقد ارتأيت أن أتّجه أوّلا للبحث في معنى الأعمى مع أنَّ معناه ينبغي أن يكون واضحاً جدّاً ، ويعضد هذا التوجّه ما أفاده الراغبُ في « مفرداته » قائلًا : العمى يُقال في افتقاد البصر والبصيرة ، ويُقال في الأوّل أعمى ، وفى الثاني أعمى وعمٍ . وعلى الأوّل قوله : أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى وعلى الثاني ما ورد من ذمّ العمى في القرآن نحو قوله : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ « 1 » . فالراغب يفهم من قوله تعالى : ( أن جاءه الأعمى ) الأعمى البصري ، ومن قوله : ( صم بكم عمى ) عمى البصيرة ، وهم لا صمّ ولا بكمٌ ، بل هم مَكَرةٌ وناشطون في الأُمور الدنيويّة ، وأمّا من الناحية المعنويّة والبصيرة فهم صمٌّ بكمٌ . ثُمَّ يخطو الراغب خطوةً إلى الأمام قائلًا : بل لم يعدّ افتقاد البصر في جنب افتقاد البصيرة عمى حتى قال : فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ « 2 » . فكأنَّ الأعمى جسديّاً مع انفتاح قلبه ليس بأعمى ؛ لأنَّ عمى الجسد لا يهمّ إطلاقاً ، فهو لا شيء بإزاء انفتاح بصيرة الإنسان ، فالعمى الجسدي مع انفتاح البصيرة مُنزَّل منزلة العدم ، والمصيبة الكبرى هي أن تعمى القلوب التي في الصدور . هكذا قال الراغب ، فجزاه الله خيراً ؛ لأنَّه فهم المراد فهماً حسناً جدّاً ، وهو
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 18 . ( 2 ) سورة الحج ، الآية : 46 .