كما قال تعالى : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ « 1 » .
القسم الثالث : من يأتي من أجل مصلحةٍ دنيويّةٍ ، أي : من يأتي إليك لتقضي له حاجته أو تعطيه مالًا أو تعلّمه علماً ، ولو كان من العلوم الطبيعيّة ، كالفيزياء أو الكيمياء ، فيكون ردّ الفعل تجاهه هو الابتعاد والتلهّي عنه ، بالرغم من إيمانه وخشيته من الله عزّ وجلّ . وفي الحقيقة هذا الشخص لم يلحظ الإيمان في السائل ، ولذا يتجاهله ، سواء كان مؤمناً أم كافراً ، ولعلّه يتزكّى : وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى مع أنَّ الموقف الأصّح والأصلح هو الاهتمام به وقضاء حاجته .
ويأتي في ( تلهّى ) البحث المتقدّم في ( تصدّى ) ، وهل تشتمل على تاء محذوفة ( تتلهّى ) أو هي فعل أمر استنكاري .
وينبغي الالتفات إلى أنَّ ( يخشى ) محذوفة المتعلّق ، أي : إنه لا يوجد تصريح بمتعلّق الخشية ، وأنَّه يخشى مَنْ أو ماذا . وبتعبيرٍ آخر : إنَّ الخشية مفهوم إضافي بين الخاشي والمخشي منه ، وهما طرفا هذه النسبة ، والخاشي هنا المخاطب ، وأمّا المخشي منه فمن هو ؟
لقد فهم المشهور من هذه الآية أنَّ المخشي منه هو الله سبحانه ، ولكن يمكن إلباسه لباساً آخر بحسب الأُطروحات ، فنفهم منها معانٍ أُخر ، كما لو كان يخشى إنساناً قصده وجاء إليه ، بمعنى : أنَّه يهابه ، أو يخشى رفضه أو عدم قضاءه لحاجته ، فيحقّق ظنّه بعدم قضاء الحاجة ، بأن يتلهّى عنه ، وكأنَّه قال : ( من جاءك يسعى وهو يخشاك ) ، أو أن يخشى إنساناً آخر أو جماعةً آخرين ، أو يخشى البلاء الدنيوي ، أو يخشى ضغط حاجته التي يطلب قضاءها ، فالفقير
هامش
( 1 ) سورة الدخان ، الآية : 49 .