القسم الثالث : أنَّ طالب الهداية والحقّ يأتيك قائلًا : اهدني الصراط المستقيم ، وهو مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى أي : يخشى الله عزّ وجلّ ، ويطلب منك الهداية ، كما أفاده المشهور . وعليه سيكون تكليفك - أيّها المؤمن - تجاهه أن تتلهّى عنه : وأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى . فتدلّ بالدلالة المطابقيّة على أنَّه طالب الهداية منك ، وأنت لا تهديه . وبما أنَّ هذا المعنى غير محتملٍ ؛ لأنَّه يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فنحمله على معنىً أدقّ هو : أنَّه إذا طلب منك أُموراً لا يطيقها أو لا يفهمها أو لا تناسبه ، فليس عليك إخباره بها ، بل تلهّى عنه ولا تحمّله ما لا يطيق من العبادات والأحكام ، بل عليك أن تجيبه بحسب استيعابه ، لا بحسب ما يريد أو يتوقّع ، وكأنَّما يريد أن تمنحه كلّ علمك ، مع أنَّه قد لا يستوعب بعض الأسرار والحقائق فتضّره ، وربما تؤدّي بعض الحقائق والمعارف به إلى الارتداد عن الدين ؛ لأنَّه لا يطيقها أو يقع في حرجٍ دنيوي أو ديني شديدٍ ، فعليك السكوت ؛ لأنَّ الكذب وإن كان محرّماً ، إلّا أن الصدق غير واجبٍ كما يُقال ، فينبغي أن تتلهّى وتعرض عنه . وإن أراد منك حقائق إضافيّة ، ينبغي عليك كتمها عنه وعدم إعلانها له .
الوجه الثامن : أن يكون المخاطب هو الإنسان الدنيوي السافل ، ويكون السياق على سبيل الاستنكار والتبكيت . والناس هنا أيضاً على ثلاثة أقسام :
القسم الأوّل : ذوو العاهات من البشر ، وهم الذين يُشمئَزّ منهم عادةً ؛ إذ لا داعي للجمود على الأعمى بخصوصه ، بل نتعدّى منه إلى الأفراد المماثلين له من قبيل : الأعرج والأكتع والأحدب والأخرس ، ونحوهم الأشخاص غير المرغوبين بنحوٍ من الأنحاء ، ويكون ردّ الفعل تجاههم هو
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 135
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٣٥