تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
العبوس والابتعاد ، مع أنَّه لا ينبغي ذلك ؛ إذ لعلّ بعضهم مهتدٍ أو على طريق الهداية ، وليس من حقّ الطرف الآخر احتقاره والابتعاد عنه . ومن هنا قال تعالى : عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى . فهو إمّا مهتدٍ بالفعل ، فلعلّه يزكى ، أو يذكّر أي : في المستقبل القريب ، فهو طالب هدايةٍ بمعنىً من المعاني أو يترقّب منه أن يهتدي . القسم الثاني : من استغنى ، وهو الذي يشعر بالاستغناء الدنيوي ، وأنَّه ذو شأنٍ في المجتمع باعتبار امتلاكه الثروة أو العلم أو السلطة ونحو ذلك وعادة ما يكون ردّ فعل الناس تجاهه هو التقرّب منه والتصدّي له دون أن يأخذوا بنظر الاعتبار أنَّ هذا الاقتراب ناشئٌ من دوافع دنيويّةٍ خالصةٍ ، وبذلك يتجاهلون فسقه من هدايته ، وظلمه من عدله ، والمهمّ عندهم هو الانتفاع الدنيوي الاقتصادي أو الاجتماعي ، فيوجّه العتب : إنَّك تصدّى ، أي : تتصدّى لمن استغنى ، مع غضّ النظر عن أنَّه معتدٍ أم لا ، وما عليك ألّا يزكّى . مع أنَّ مقتضى القاعدة أنَّ أمثال هؤلاء ينبغي الحذر من الاقتراب منهم ، ويجب النظر إليهم بمقياس الهداية والدين والتزكّي ، ولا ينبغي إهمال كلّ ذلك لمجرّد كسب الربح المادي . إن قلت : إنَّ هذا يساوق الفهم المشهور ، وهو أن يكون ( تصدّى ) بمعنى : ( تتصدّى ) ، وهو تأويل خلاف الظاهر ، كما سبق . قلت : ليس من الخطأ أن تأتي كلمة ( تصدّى ) بمعنى : ( تتصدّى ) ، ويمكن أن ندعم هذا الفهم وما أفاده المشهور ، ولكن لا نحتاج معه إلى ( تاء ) زائدةٍ ، وذلك بأن يُقال : إنَّ ( تصدّى ) جملة خبريّة يُراد بها الإنشاء أو الأمر ، ويكون المقصود من الأمر نحواً من التبكيت والاستنكار ، لا الأمر الحقيقي ،
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 136 | السيد محمد الصدر / مؤسسة المنتظر لإحياء تراث آل الصدر