تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
المراد من الآية ، لا التفسير المشهور ؛ حيث إنَّه على التفسير المشهور يكون تصدّى بمعنى : تتصدّى ، ويكون المعنى : إنَّ من استغنى دنيويّاً مثلًا أنت له تتصدّى ، والآية تعاتب الذي يتصدّى ؛ حيث لا ينبغي ذلك ، فهنا توجد تاءٌ محذوفةٌ ، كما هو المشهور . والقرينة هي أن نقول : إنَّ حذف التاء وتقديرها مخالفٌ للأصل والظاهر ، والتفسير المشهور يقول : إنَّ تصدّى فعلٌ ماضٍ لا فعل أمرٍ بمعنى : تصدّ ، وهو تأويل على كلّ حال ومخالفٌ للظاهر . أو نقول بأنَّ تصدّى فعلٍ ماضٍ ، والجملة خبريّةٌ مسوقةٌ مساق الإنشاء ، ويُراد بها الأمر ، وهو جائزٌ أيضاً ، ولعلّه أولى من قول المشهور « 1 » ؛ لأنَّ الظاهر من جملة ( تصدّى ) أنَّها خبريّةٌ في مقام الأمر ، وتدلّ على الوجوب . وربما يُقال : إنَّنا لا نرى أمثال هؤلاء الذين تركوا الدنيا وأقبلوا على الله تعالى ، فاختصّوا به ، فلا نرى من يتعبّد كثيراً ويقوم بالنوافل ويلتزم بالفضائل كما هو المرجوّ منه . والجواب : أنَّ الآية اللاحقة - أي : وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى - تفيد أنَّ تركه للزكاة والعبادة إنَّما هو لاستغنائه عنها بفضل الله تعالى ، وبدرجاتٍ وعبادات باطنيّة تختصّ به ، وليس عليه من العبادات الظاهريّة إلّا أداء الواجبات ؛ لأنَّ العبادة في تلك المراتب تكون مختلفةً تماماً عن العبادة العامّة من أداء المستحبّات وترك المكروهات ؛ لأنَّ الآية تقول : وأَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى . أي : أنت أعرِضْ عن هذه الجهة ، وما عليك ألّا يزكّى ، فحتّى لو لم تعرف أنَّه يزكّى فإنَّ عليك التصدّي له والاتّصال به .
هامش
( 1 ) راجع مجمع البيان في تفسير القرآن 662 : 10 ، تفسير سورة عبس .