فتنفعه الذكرى ، فكأنَّما الشخص العابس هو نفس الذي يزكّى ويذكّر ، ثُمَّ يخاطبه القرآن مباشرةً من باب إلفات النظر والتعنيف فيقول : أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى إلى آخر السياق . وهي أُطروحةٌ وجيهةٌ تبتعد بالمعنى عن فعل النبي ( ص ) ، وبذلك يندفع الإشكال المتقدّم .
الوجه السادس : أن ما سبق كلّه مبني على أنَّ المراد بمرجع الضمير أمرٌ جزئي معيّنٌ ومعهودٌ ، سواء كان النبي ( ص ) أم غيره ، فالنظر متّجهٌ إلى حادثةٍ وقضيّةٍ معيّنةٍ جزئيّةٍ ، ولكن في مقابل هذا نقدم أُطروحةً جديدةً تقول : إنَّ مرجع الضمير قد يكون كلّيّاً منطبقاً على كثيرين ، ولا نقول : إنَّ مرجعه إلى الفرد ، بل المرجع كلّي يُراد به من عبس وتولّى أن جاءه الأعمى ، أو قل : هو منطبقٌ على كلّ من كان متّصفاً بهذا الوصف ، ويقوم بهذا التصرّف ، وهو التقرّب إلى الأغنياء والاشمئزاز من الفقراء . ومعه فلا تكون هذه الآيات مشيرةً إلى قصّةٍ معيّنةٍ أو حادثةٍ خاصّةٍ ، وإنَّما تشير إلى حادثةٍ وقضيّةٍ كلّيّةٍ متكّررةٍ يقوم بها الأفراد في كلّ زمانٍ ومكانٍ ، ويمكن انطباقها على كثيرين ، كما هو حالة القضايا الكلّيّة .
الوجه السابع : أن نلتفت - على مستوى الفهم الباطني - إلى أنَّ هذه الآيات توجّه نصيحةً إلى المؤمنين ، وهي أنَّه لا ينبغي العبوس والابتعاد عمّن يكون أعمى ، والمراد بالأعمى هو الغافل عن ذكر الله وعن الآخرة ، كما قال تعالى : وَهُمْ عَنِ الآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ « 1 » وقال تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ « 2 » وقال تعالى : فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ
هامش
( 1 ) سورة الروم ، الآية : 7 .
( 2 ) سورة يوسف ، الآية : 105 .