منه أن يحصر جميع الاحتمالات ، فيعاتبه على دقائق الأُمور وصغارها ، مع أنَّه لم يخالف وظيفته الفعليّة الواقعيّة . وبذلك يزداد وضوح ما قلناه في الوجه الثاني من أنَّ هذه المخالفة إنَّما هي من الأُمور الدقّيّة ، لا من الذنوب العامّة والمظالم الهامّة لكي تنافي العصمة .
الوجه الرابع : أنَّ أغلب الوجوه السابقة كانت تذعن بأنَّ المخاطب في هذه الآية هو رسول الله ( ص ) ، إلّا أنَّنا نقول هنا : إنَّه بناء على وجود خطابٍ في هذه الآيات غير متوجّهٍ إلى النبي ( ص ) ، بل متوجّه إلى فاعلٍ مجهولٍ غير مسمّى في الآية ، وهو مرجع الضمير في قوله : عَبَسَ وَتَوَلَّى فنقول : إنَّه روي أنَّه رجلٌ من بني أُميّة ، وفي « تفسير القمّي » « 1 » أنَّها نزلت في ثالث القوم ، أي : عثمان .
فإن قيل : الرواية ضعيفة السند .
قلنا : وليكن ذلك ؛ فنحن لا نريد الاستدلال بها ، بل يكفينا أنَّها تقدّم لنا احتمالًا يمنع الاستدلال المضادّ ، ونحن لا نحتاج هنا إلى صحّة الرواية ، بل نكتفي بها كأُطروحةٍ لدفع استدلال الخصم .
الوجه الخامس : ما احتمله بعضٌ - وقيل : إنَّه ورد أيضاً - من أنَّ الأوصاف كلّها تعود إلى نسقٍ واحدٍ من أوّل السياق إلى آخره ، ومقتضى وحدة السياق مع الشكّ في الظهور أنَّه يرجع إلى واحدٍ لا أكثر ، ومن هذه الجهة نستطيع أن نستفيد ظهوراً قرآنيّاً بأنَّ المرجع واحدٌ ، وهذا الظهور حجّة ، فيكون المقصود أنَّ شخصاً ما عبس وتولّى أن جاءه الأعمى . ولكن لا ينبغي إساءة الظنّ بهذا الشخص الذي عبس ، بل لعلّه يتوب ويتزكّى ، أو يذّكر
هامش
( 1 ) أُنظر : تفسير القمي 404 : 2 - 405 ، تفسير سورة عبس .