متميّزٍ عن سواهم ، ومن مصاديق ذلك عمليّاً الواقعة التي تتحدّث عنها سورة عبس ؛ حيث إنَّ هؤلاء الصناديد يشعرون بالتميّز ، فلو انصرف النبي ( ص ) عنهم وتوجّه إلى ابن أُمّ مكتوم - وهو في نظرهم أحد الرعاع - لكان هذا في نظرهم خللًا في النبي ( ص ) وكان هذا التصّرف إساءة أدبٍ منه في حقّهم ( وحاشاه من ذلك ) وأنَّه ازدراهم واحتقرهم ، ومن ثُمَّ يؤدّي ذلك إلى طعنهم فيه ، ولا أقلّ من أنَّهم لن يتّبعوه ولن يدخلوا في الإسلام ، مع أنَّ دخولهم في الإسلام مطلوبٌ بنحوٍ من الأنحاء ؛ لأنَّه يصبّ في مصلحة المجتمع ، كما تقدّم في الوجه السابق .
وكيفما كان يمكن القول بأنَّ المصلحة اقتضت أن يتّخذ النبي ( ص ) مثل هذا الموقف .
فإن قيل : إذا كان الأمر لا شائبة فيه فلماذا نزل العتاب من ربّ العالمين . ألا يعني هذا أنَّ الأُطروحات المتقدّمة فيها خللٌ وفسادٌ ؟
قلت : نحن نسلّم أنَّه يوجد مستوى من الشائبة ، وإن كانت ضعيفةً جدّاً ، إلّا أنَّ النبي ( ص ) أدّى وظيفته الفعليّة الصحيحة وعمل بأرجح المحتملات ، مع أنَّ الاحتمالات الأُخرى غير خالية عن نوعٍ من الخلل ، ويكفي فيها أنَّ ابن أُمّ مكتوم رجلٌ مسلمٌ ومهتدٍ وطالبٌ للهداية ، وأُولئك كفّارٌ وعتاةٌ لم يدخلوا في الإسلام لحدّ الآن ، وتصرّف النبي ( ص ) يدلّ على تفضيلهم عليه ؛ حيث أعرض عنه والتفت إليهم ، وهذا نحوٌ من الخلل في المقام . ومع ذلك نقول بأنَّ الأصلح هو أن يدخل هؤلاء في الإسلام ، بدلا من أن يجلس ساعةً يتحدّث مع ابن أُمّ مكتوم .
ومن هذه الناحية نرى أنَّ الله تعالى يدقّق كثيراً مع رسوله ( ص ) ، ويريد
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 130
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٣٠