والتولّي أيضاً إمّا مادّي كالهرب ، أو معنوي كالضلال ( والعياذ بالله ) ، وكلاهما متعدٍّ بنفسه ، وقد ورد كلاهما في القرآن الكريم . فممّا ورد في التولّي المادّي قوله تعالى : وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ « 1 » . وممّا ورد فيه في المعنوي قوله تعالى : وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ « 2 » . ولا حاجة إلى القول بوجود حرف جرٍّ مقدّرٍ ، كما هو ظاهر الألفاظ . غاية الأمر : أنَّ الحرف إنَّما يُؤتى به لرفع الالتباس ، مع أنَّ تولّى تتضمّن معنى الإقبال ومعنى الإعراض معاً ؛ فحينما يُقال : ( تولّى زيدٌ ) يحصل التباس في المعنى المراد ، وهنا نحتاج إلى قرينةٍ متّصلةٍ تدلّ على تعيين أحد المعنيين . وأفضل قرينة هي حرف الجرّ ، فتولّاه تأتي بمعنى الإقبال أو الولاية بمعناها المتقدّم ، وتولّى عنه أو منه بمعنى : أعرض وابتعد ، وحرف الجرّ هو القرينة التي ترفع الالتباس .
هذا كلّه فيما إذا حملنا الرباعي المزيد على الثلاثي ، كما هو الاتّجاه المشهور ، ويميل إليه الراغب أيضاً ، ويُرجع المادّة إلى أصلها ، ولذا نراه يختار أنَّ الأصل هو الثلاثي ، وكأنَّ الرباعي أو المزيد هو الثلاثي نفسه . فإن أرجعناهما إلى مادّةٍ واحدةٍ هي الأصل الثلاثي فبها ونعمت ، وجرى عليه الكلام الذي تقدّم ، وأمّا إذا فرّقنا بينهما - ولو باعتبار كون الثلاثي متعدّياً والرباعي أو المزيد لازماً حيث لا يتعدّى إلّا بالحرف - فحينئذٍ نواجه شيئاً من الصعوبة . فما هو معنى الثلاثي وما معنى المزيد ؟
وإذا ما قارنّا بينهما وقلنا : إنَّ كلّ واحدٍ منهما موضوعٌ بوضعٍ مستقلٍّ لمعنىً يغاير المعنى الذي وضع له الآخر ، وهذا لازمٌ وذاك يتعدّى بالحرف ،
هامش
( 1 ) سورة الأنفال ، الآية : 16 .
( 2 ) سورة المائدة ، الآية : 51 .