تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
والائتمار ، أي : من لا يأتمر ولا يطيع فهو متولٍّ بالجسم ، فتولّى بمعنى : هرب وابتعد . وقوله : فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ « 1 » بمعنى : من عصى بترك الإصغاء والائتمار . وقال تعالى : وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ « 2 » بمعنى : قربه من الناحية الجسديّة وسماعه الخطاب ، إلّا أنَّه يتولّى أي : يعصي . ثُمَّ قال الراغب : يُقال : ولّاه دبره إذا انهزم . قال تعالى : وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ « 3 » وقوله : وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ « 4 » أي : ظهره « 5 » . أقول : إن أصل التولّي هو الإقبال ، وأصله الإقبال المادّي ، كالإنسان يُقبل على إنسان آخر فيما إذا اتّجه نحوه ، ومنه سرى إلى الإقبال المعنوي الذي هو بمعنى الولاية والطاعة ؛ لأنَّه مُقبلٌ عليه معنويّاً ، وراضٍ بسيطرته عليه وطاعته له . ومنه سرى إلى الولاية القهرية ، سواء كانت عادلةً ، كولاية الله تعالى وولاية الأئمّة المعصومين ( عليهم السلام ) ، أم كانت ظالمةً ، كولاية الطواغيت ( قبّحهم الله ) . والولاية بهذا المعنى - أي : الإقبال - متعدّية بنفسها لا تحتاج إلى حرفٍ ، فنقول : ولّاه وتولّاه ونحو ذلك . ثُمَّ سرى هذا المعنى إلى التولّي المضادّ ؛ لأنَّ الأصل في التولّي هو مقابلة الوجه ، فسرى ذلك إلى مقابلة الظهر والقفا ، كما لو صار قفاه متّجهاً نحو وجهي . وكذا ولّيته ظهري يعني : كأنَّني أريته ظهري بدل أن أُريه وجهي .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 82 . ( 2 ) سورة الأنفال ، الآية : 20 . ( 3 ) سورة آل عمران ، الآية : 111 . ( 4 ) سورة الأنفال ، الآية : 16 . ( 5 ) أُنظر : مفردات ألفاظ القرآن : 570 - 572 ، مادّة ولى .
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 122 | السيد محمد الصدر / مؤسسة المنتظر لإحياء تراث آل الصدر