أَنْ يَسْتَقِيمَ أي : أراد أن يرجع إلى طريق الاستقامة ، وهو طريق الهداية والفطرة التي فطر الله الناس عليها بعد أن تركها الفسقة والكفّار . وبمعنى آخر : لمن أراد التوبة والرجوع إلى جادّة الصواب .
لا يقال : لو لم يكن شخصٌ على الحقّ ، كأن ولد نصرانيّاً أو يهوديّاً أو ملحداً ، فكيف تصدق هذه الآية في حقّه ، ليُقال : المراد أن يرجع إلى الحقّ ؟ فإنه لم يخرج من حقّ حتّى يرجع إليه مرّةً ثانيةً ، فالأصحّ أن نقول في حقّه : إنَّه ذهب إلى الحقّ .
فإنَّه يُقال : بل يصدق أنَّه يرجع إلى الحقّ ، والارتكاز المتشرّعي أيضاً على ذلك ؛ لأنَّ الأصل كونه على الحقّ وكونه على الفطرة ، فخلقة الإنسان خلقة حقّ وعقله بقسميه النظري والعملي عقل حقّ ، وحتّى لو ولد على شاكلةٍ أُخرى فيصدق عليه الرجوع إلى الحقّ .
ويمكن تطبيق هذه الفكرة نفسها على الفيء في قوله تعالى : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ « 1 » فالفيء معناه البلدان المفتوحة التي لم تكن تحت سيطرة أهل الحقّ ، ومعنى الفيء في اللغة الرجوع أو الظلّ الراجع بعد انعطاف الشمس ، وبملاحظة المعنى الاصطلاحي واللغوي يصحّ إطلاق الرجوع عليها مع أنَّها لم تكن حتّى ترجع إليهم .
نعم ، بملاحظة أنَّ أصل هذه الأرض هي للحقّ الذي هو الله أو المعصوم يصحّ إطلاق الرجوع عليها ، فكلّ شيء يعود إلى الحقّ فهو رجوع ، وإن كان الكافر قد أحياها ابتداءً وملكها قديماً .
و ( من ) في قوله تعالى : لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ للتبعيض . ويمكن القول : إنَّها
هامش
( 1 ) سورة الحشر ، الآية : 6 .