الأرواح موجودةٌ في عالم المثال أو في عالم المثل ، وبحسب هذه النظريّة تنزل وتتلبّس بالبدن وتنسى عالمها السابق ، ثُمَّ بعد ذلك تتذكّر ذلك العالم وتحبّ الرجوع إليه وتبكي وتتأسّف بنزولها إلى الدنيا حسب زعمه .
فالذكر في الآية هو التذكّر لذلك الوجود السابق .
إنْ قلت : كيف يعود معنى العالمين إلى هذه السعة التي تقدّمت ، مع أنَّه تعالى يقول في الآية التي تليها : لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ فالخطاب لخصوص البشريّة ؛ بدلالة الضمير ( منكم ) والمعنى : أيّها البشر أو أيّها السامعون ، ولا دخل له للأدوار والأكوار والعوالم السابقة .
قلت : يمكن الجواب عمّا ذكر بوجوهٍ :
الأوّل : أن يُراد بالخطاب في ( منكم ) شموله لكلّ أفراد العالمين على الإطلاق ، كما فسرّنا به العالمين ، فنقول بأنَّ الضمير ( منكم ) يرجع إلى الجميع بلا استثناءٍ ، فالمتكلّم في الحقيقة هو الله سبحانه ، وهو سبحانه له من القابليّة على مخاطبة كلّ خلقه دفعةً واحدةً ، وفي الأزمنة الثلاثة ، أعني : الماضي والحاضر والمستقبل .
الثاني : أنَّنا نتنزّل ونقول : إنَّ الضمير ( منكم ) راجع إلى البشر المخاطبين والسامعين ، لكن أليس البشر جزءاً من العالمين ، فيكون خطابهم خطاباً للعالمين ؟ وقد عبّر عن النبي ( ص ) بأنَّه رحمةٌ للعالمين « 1 » ، وذكرٌ للعالمين « 2 » ، فالخطاب للسامعين ، لكن باعتبارهم نموذجاً من العالمين .
هامش
( 1 ) في قوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [ سورة الأنبياء ، الآية : 107 ] .
( 2 ) لعلّه إشارةٌ إلى قوله تعالى : إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ [ سورة ص ، الآية : 87 ، وسورة القلم ، الآية : 52 ، وسورة التكوير ، الآية : 27 ] .