قوله تعالى : لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ :
المشيئة والإرادة عرفاً بمعنى واحدٍ . ويمكن أن يُقال : إنَّ الإرادة والمشيئة بالنسبة إلى الله سبحانه تختلف ، وأما بالنسبة إلى المخلوقات فهي واحدةٌ .
ومعنى الآية : لمن أراد منكم أن يستقيم . وإنَّما ذكر ( شاء ) بعنوان المقابلة مع ( شاء ) التي هي منسوبة إلى الله سبحانه في قوله تعالى : وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ « 1 » .
والمراد من الاستقامة الاستقامة على الحقّ بمقدار ما هو ممكنٌ ، وأوضح مصاديق الاستقامة الاستقامة على طريق العدالة والهداية وأن لا تأخذ الفرد في الله لومة لائمٍ .
وذكر الفقهاء : أنَّ العدالة هي الاستقامة على الطاعة أو هي الاستقامة على جادّة الشرع ، والعدالة معنى انتزاعي من الاستقامة على جادّة الشرع ، وهذا الاستعمال في الأصل استعمال مجازي ، وإلّا فإنَّ المعنى الحقيقي هو الاستقامة في الطريق المادّي عند المشي وعدم الانحراف عنه ، إلّا أنَّه صار حقيقةً في المدلول المعنوي ( الهداية ) من كثرة الاستعمال . كما يُلاحظ أنَّ فهم المتشرّعة للاستقامة أنَّها لا تكون إلّا على جادّة الحقّ ، وبهذا الاعتبار يُقال للكفّار والفسقة وأضرابهم : إنَّهم منحرفون ومائلون ، وإن كانوا مستقيمين في طريقهم ، كما لو كان الفرد يهوديّاً ملتزماً بشريعته ونصرانيّاً ملتزماً أيضاً بشريعته ودنيويّاً ملتزم بدنيويّته ، فيكون المراد من قوله تعالى : لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ
هامش
( 1 ) سورة الإنسان ، الآية : 30 .