الوجه الثالث : أنَّ الوارد في الآية الكريمة عنوان النفس نَفْسٌ لِنَفْسٍ فلو حملناه على مطلق الكيان المعنوي للإنسان لزم الإشكال ؛ لأنَّ الروح العليا فعّالة ومالكة ، فلابدّ أن نفهمها بشكل لا يشمل الروح العليا بعد التنزّل عن الوجهين السابقين . وهنا يمكن حملها على مراتب معنى النفس ، يعني : حملها على مراتب متدنّية من النفس ، كالنفس التي وصفت في القرآن الكريم بأنَّها أمّارةٌ بالسوء « 1 » . والظاهر - لا أقلّ بحسب الفهم المتشرّعي المعتضد بإقرار المعصومين سلام الله عليهم - أنَّ النفس يُراد بها المرتبة البرزخيّة أو الضعيفة أو المتدنّية ، ومن الواضح أنَّ النفس الأمّارة بالسوء لا تملك أيّ شيء من النفع الحقيقي ولا الضرر الحقيقي لصاحبها أو لغيره ، وإنَّما تتوهّم ذلك ؛ لمكان غطرستها وجبروتها ، وإنَّما لها مقتضي الأمر والشهوة ، أعني : الأمر بالعصيان وشهوة المعاصي . ولعلّه إلى هذا المعنى يشير قوله تعالى : وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ « 2 » . وعلى كلّ حالٍ فهي كافرة غير مذعنة ومعاندة لا تستسلم ، إلَّا أنَّها حقيرة وضعيفة ومهينة ، ولا تملك أيّ شيء في عالم الثبوت إطلاقاً .
فإن قلت : اليوم في الآية الكريمة إشارةٌ إلى يوم الدين ؛ لأنَّه ظرف ليوم الدين كما قلنا أو صفة ، وعليه فيوم الدين إمّا مرفوع أو منصوب ، ويوم الدين هو القيامة ، فيتعيّن أن يكون المقصود يوم القيامة بقرينةٍ متّصلةٍ .
قلنا : تقدّم أنَّ الدين بمعنى الإدانة وتحمّل المسؤوليّة ، فيوم الدين هو
هامش
( 1 ) إشارة إلى قوله تعالى : وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [ سورة يوسف ، الآية : 53 ] .
( 2 ) سورة إبراهيم ، الآية : 22 .