يوم الإدانة وتحمّل المسؤوليّة ، كما لا يخفى ، وهذا كما يحدث في الدنيا يحدث في الآخرة ، وفي الدنيا يكون يوم الدين يوم الإدانة وتحمّل المسؤوليّة ، وفي الآخرة أيضاً يوم الدين يوم الإدانة وتحمّل المسؤوليّة . والوجه فيه : أنَّ الإنسان متحمّل للمسؤوليّة تجاه الله تعالى باستمرار . نعم ، يكون ذلك أوضح في يوم القيامة ؛ لأنَّ ممارسة الحساب والعقاب فيه أصرح ، ولكنه إذا كان الإنسان على مستوى بحيث يراقب الله في القليل والكثير ويذكر الله دائماً ويحاسب نفسه تجاه الله فهو دائماً على مستوى يوم الدين أو هو في يوم الدين ، فهو محاسبٌ في الحقيقة وشاعرٌ بالحساب والعقاب قبل يوم القيامة .
* * * * قوله تعالى : يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لله :
المراد من ذيل الآية : أنَّ الأمر في النفوس كلّها لله وحده ، لا للنفوس بحدّ ذاتها ؛ لأنَّه أفاد بالقول : يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا ، أي : إنَّ الأمر في كلّ نفسٍ له تعالى شأنه ، لا للنفس أو الإنسان أو لنفسٍ أُخرى ، كما هو واضحٌ من سياق الآية . ومنه ظهر أنَّ اليوم المشار إليه في قوله : يَوْمَئِذٍ هو اليوم المقصود في صدر الآية بقوله : يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا .
إن قلت : فما وجه التكرار ؟
قلنا : لغرض الإيضاح ، ولذا لا يستقيم المعنى فيما لو قال : ( يوم لا تملك نفسٌ لنفسٍ شيئاً والأمر لله ) ؛ إذ يكون المراد أوسع ممّا أفادته الآية حينئذٍ ، مع أنَّ الغرض مقابلة ما تزعمه النفس من أنَّها تملك شيئاً ، فأجيب : كلّا أيّتها النفس ، أنتِ لا تملكين شيئاً البتّة . وأمّا أنَّ الأمر كلّه لله فهو من بابٍ آخر ، فلو حذف ( يومئذٍ ) لكان المراد أنَّ الأمر كلّه لله ، مع أنَّه ليس بمرادٍ في المقام .
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 472
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٤٧٢