وممّا يدلّ على الارتباط بين صدر الآية وذيلها - مضافاً إلى التتابع اللفظي بينهما - هو تقدير المحذوف بتنوين العوض في قوله : ( يومئذٍ ) ، أي : يوم لا تملك نفسٌ لنفسٍ شيئاً ، كما هو ظاهرٌ . وكأنَّ صدر الآية وذيلها مندمجان إثباتاً وثبوتاً ، أي : بياناً وتفهيماً .
وجدير ذكره : أنَّه لو انسحب الأمر كلّه من غير الله ، لانحصر بالله وحده ، وكذا العكس ، أي : لو انحصر الأمر بالله انسحب من غير الله ، كما هو ظاهرٌ إثباتاً وثبوتاً . وبعبارة أُخرى : لو نظرنا إلى الأسباب والفعاليات والوسائل لتبيّن لنا أنَّ الأمر ينحصر بالله وحده ، أي : بنحو الإثبات والمعرفة ، فينسحب الأمر من غيره قطعاً .
وفي الآية محلّ البحث سؤالٌ واحدٌ ممّا يرتبط بمنهجنا في التفسير وهو : أنَّ الأمر على كلّ حالٍ لله سبحانه ، فلماذا اختصّ الأمر بيومئذٍ ؟
يمكن الجواب عنه من وجوهٍ عدّةٍ :
الأوّل : ما عليه المشهور « 1 » من أنَّ المراد لحاظ الإثبات ، يعني : انكشاف الأمر ومعرفته ، أعني : معرفة أنَّ الأمر لله فقط ، فيختصّ بيوم القيامة أو بدرجاتٍ عاليةٍ من اليقين ، فيجد العبد أنَّ الأمر كلّه لله وحده . والغرض : أنَّ هذه المعرفة لا تشمل الخلق كلّهم ؛ إذ لا يؤمن سائر العباد أنَّ الأمر كلّه لله . فالبقّال والنجّار والخيّاط ونحوهم ممّن يعتمد على الأسباب والوسائط في تحصيل الرزق لا على الله محضاً لا حظّ لهم من تلك المعرفة ، ولذا فلا تعمّ الآية الخلائق أجمعين ، لا سيما مع وجود الفسّاق والكفّار وأهل الغفلة .
هامش
( 1 ) أُنظر : مجمع البيان في تفسير القرآن 683 : 10 ، مفاتيح الغيب 81 : 31 ، لباب التأويل في معاني التنزيل 402 : 4 ، وغيرها .