أو حياةٍ أو نشورٍ أو غيرها ، فكيف تملك لغيرها ؛ فإنَّ عدم ذلك أولى من غيرها ، ولذا يقول : يوم لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وإن يمكن أن نفهم من النفس الثانية الأعمّ من نفسها وغيرها ، إلَّا أنَّ الأشهر أنَّه لغيرها « 1 » ، ومن هنا يصدق قوله تعالى : لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً .
ثُمَّ إنَّ ( يوم ) في قوله : يَوْمَ لَا تَمْلِكُ إشارةٌ إلى أيّ يوم ؟ ومتى يحصل هذا اليوم ؟ يقول المشهور : إنَّه يوم القيامة « 2 » ، إلّا أنَّه يواجه هذا الإشكال القائل : إنَّ النفوس لا تملك شيئاً إطلاقاً لا في الدنيا ولا في الآخرة ، فنصّ الآية يصدق صدقاً سرمديّاً على غير الله تعالى . ويجيب المشهور على ذلك بأنَّ النفوس في الدنيا تتخيّل أو تتوهّم أو تقتنع أنَّها تعمل بعض الأُمور ، وأنها تملك لنفسها النفع والضر ولغيرها أيضاً ، نظير ما يُقال من أنَّ زيداً ينفع خالداً أو ينفع الناس ، والناس ينفعونه ، وكما قال الشاعر :
إذا أنت لم تنفع فضرّ فإنَّما * يراد الفتى كيما يضرّ وينفع
« 3 »
أي : يضرّ أعداءه وينفع أصدقائه في حدود الفهم الجاهلي .
وهذا على مستوى الدنيا أمر مقنع وظاهر ملحوظ ، وهو تبادل النفع والضرر ، وأمّا في يوم القيامة فسيكون عجز النفس صريحاً وواضحاً ومكشوفاً ومدرك بالوجدان ؛ إذ النفس لا تملك لنفسها شيئاً فضلًا عن غيرها ، وإنَّما
هامش
( 1 ) أُنظر : جامع البيان في تفسير القرآن 57 : 30 ، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 273 : 15 ، مجمع البيان في تفسير القرآن 683 : 10 ، وغيرها .
( 2 ) أُنظر المصدر السابق .
( 3 ) البيت للشاعر عبد الله بن معاوية ، حسبما أفاده في التذكرة الحمدونيّة 94 : 7 ، باب ما جاء في النفع والضرّ ومعايبهما .