الكثرة ، أي : إلى المستوى الأدنى من الحقيقة المحمّديّة من قبيل نظرها إلى المعصومين الاثني عشر أو الملائكة ، وكل ما يُتدّنى يكثر العدد ، وليست ناظرة إلى المنطقة التي فيها روح واحدة التي هي الحقيقة المحمّديّة . وتبعاً لذلك يرد سؤال وهو لماذا هي ناظرة إلى الكثرة لا إلى الوحدة مع أنَّ الوحدة أعلى من الكثرة وأهمّ وأشرف ؟
والجواب : أنَّ الغرض هو التخويف والإرهاب والقهر للسامع ، فتصوّر له أنَّه محاط بالرقباء حتّى يخاف أكثر ، وهو أبلغ في الموعظة من أن نذكر له أنَّ لديك أو عليك رقيباً ، فما يقتضيه البيان دعى إلى النظر إلى عالم الكثرة لا إلى عالم الوحدة .
وقد تسأل قائلًا : إنَّ الملائكة لا تعلم بالمقاصد والنيّات ، فلماذا عبّر بقوله : يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ؟
يمكن الجواب عنه بوجوهٍ :
الأوّل : أن يُقال : إنَّهم يعلمون النيّات ، ولكن هناك أُمور عليا يجهلونها .
الثاني : أنَّهم يعلمون ذلك بقرائن الأعمال ؛ لأنَّ الأعمال تدلّ على المقاصد غالباً أو دائماً ، وهذا ما نفهمه ، فكما نحن نفهمه فالملائكة أيضاً يفهمونه .
الثالث : أنَّ الآية لا تدلّ بوضوح على أنَّ الملائكة يكتبون تكذيبهم بالدين . نعم ، وإن ورد التعبير عنهم ب - ( كراماً كاتبين ) إلّا أنَّ كونهم يكتبون تكذيبهم بالدين غير مذكور في الآية ، بل يمكن أن تكون كلّ حصّة مستقلّة عن الأُخرى ، فتكذيبهم بالدين جانب ، والكتابة جانب آخر ، ولعلّهم يكتبون أُموراً أُخرى غير المقاصد التي منها تكذيبهم بالدين .
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 454
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٤٥٤