تقول : أُحافظ على أخي أو على صديقي ، وقد يسند إلى الله تعالى فنقول : الحافظ الله وحفظه الله أو الله يحفظه « 1 » .
وقد يُسند إلى غيره فنقول : الكتاب محفوظ عندي ، يعني : مادّة الكتاب محفوظة عندي . وبعبارةٍ أُخرى : هو مخزونٌ عندي وتحت عنايتي ورعايتي . وكذا الكلام فيما لو بذلت عناية في ذلك كالحراسة ونحوها ، وفي مقابله التفريط والإهمال ، مع أنَّ النسيان يقابل المعاني السابقة لا الإهمال . وقد يُقال : إنَّ هذا معنىً آخر موضوع في اللغة بوضع ثانٍ من باب الاشتراك اللفظي ، فيوجد معنيان للحفظ : حفظ يرتبط بالذاكرة ، وحفظ يرتبط بالخارج ، وهو أن تضع الشيء في مخزن وتغلق عليه الباب . ومعه قد يُتصوّر أنَّ هذين المعنيين من باب المشترك اللفظي ، ولهما وضعان مستقلّان لا وضع واحد ، وهذا غير صحيح ، بل هما موضوعان بوضع واحد وإن اختلف المؤدّى ، وافترق الانطباع النفسي والاجتماعي ، إلّا أنَّ أصلهما واحد . والراغب ارتكب خطأً حين قدّم الذاكرة وأخّر الحفظ الذي هو بمعنى الخزن . والظاهر : أنَّ الأصل هو الحفظ بمعنى : العناية والرعاية في المخزن ، ثُمَّ بعد ذلك انتقل إلى الحفظ في الذاكرة ؛ لأنَّني كما أحفظ في المخزن أعتبر ذاكرتي مخزناً تحفظ فيه المعاني ، أي : كما أنَّ المخزن تحفظ فيه الأشياء كذلك الذاكرة تحفظ فيها المعاني ، وهذا أيضاً صحيح ، والمعاني محفوظة فيها أي : مخزونة فيها ولا تخرج .
والأمر الذي لم يلتفت إليه الراغب هو أنَّي أدّعي أنَّ الحفظ في القرآن
هامش
( 1 ) عندما نقول : ( حفظه الله أو الله يحفظه ) لا نقصد : أنَّ الله يحفظ المعنى ؛ لأنَّ هذا من صفة الإنسان ، والله عزّ وجلّ لا يتجدّد عليه الحفظ ، فهو عالم بكلّ شيء ، فيحفظ الإنسان أي : يعتني به أكثر ممّا يعتني بغيره . ( منه ( قدس سره ) ) .