آية الغرور تدلّ على التوبيخ وآية التكذيب إخبار ، لكن السؤال مختلفٌ ؛ إذ الإشكال في المقام عن الفرق بين ( كلا ) و ( بل ) مع مدخولها كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ في آية واحدة لا في آيتين ، وبذلك يكون قد سقط الجواب ؛ لأنَّ ( كلا ) وحدها ليست توبيخاً ، وإنما إخبار ، فيتعيّن الوجه الأوّل من الجواب ، وهو أنَّه ذكر العلة أوّلًا ثُمَّ ذكر المعلول .
ثُمَّ إنَّ المشهور فهم مطلق الإنسان من قوله : يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ وهو كلّي قابل للصدق على كثيرين ، فلماذا غيّر الضمير من المفرد إلى الجمع في قوله تعالى : كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وكان الأنسب أن يقول : ( بل تكذّب بيوم الدين ) ويكون المحصّل واحداً ؛ لأنَّ الإنسان أيضاً ينطبق على كثيرين حسب الفهم المشهور . ويمكن الجواب عنه من وجهة نظر المشهور أيضاً مع الغضّ عن وجهات النظر المتقدّمة في نقاط :
الأُولى : أن يُقال : إنَّ الإضراب نحو من الأدب واللطف في البيان ، فيكون موافقاً للذوق البلاغي ، وهذا يكفي وإن كان المقصود واحداً .
الثانية : أنَّ المراد في الآية السابقة يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الإنسان جملةً ومجموعاً ، أي : كلّ البشر جملة ، وفي الآية الثانية المراد به متفرّقاً فرداً فرداً ، وخاطبهم بالجمع ( تكذّبون ) يعني : أنت تكذّب وأنت تكذّب وأنت تكذّب وهكذا ، وهذا غير الإنسان مجموعاً ، فاختلف اللحاظ ، فارتفع الإشكال .
الثالثة : ما ذكره السيّد الطباطبائي من : أنَّ المقصود بالإنسان في الآية السابقة هو البشر « 1 » ، والمقصود بالجمع في هذه الآية بَلْ تُكَذِّبُونَ هو الإنسان
هامش
( 1 ) أُنظر : الميزان في تفسير القرآن 223 : 20 - 224 ، تفسير سورة الانفطار .