وإنَّما عبّر القرآن الكريم بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ولم يقل : ( تكذّبون بيوم الدين ) لكي يُفسّر بالدلالة المطابقيّة ب - ( يوم القيامة ) كما هو المشهور « 1 » . نعم ، ورد في آيات أُخرى التعبير ( بالدين ) إلّا أنَّ الغرض يختلف عمّا نحن فيه ، ولا ملازمة بين معنى تلك الآيات ومفاد هذه الآية كما هو واضحٌ ، وليس لهما سياق واحدٌ ؛ لأنَّها بعيدة . فالدين هو الإدانة على المسؤوليّة وترتيب حكم الجزاء بالعدل ، ومن المسلّم أنَّ يوم القيامة من أوضح مصاديقه ، إلّا أنَّ الذي يتّفق في الدنيا من معنى الدين أمران على الأقلّ أحدهما العلّة والآخر بمنزلة المعلول ، أو قل : إنَّ الأوّل متقدّم على الثاني رتبةً ، وهما :
الأوّل : هو الإدانة بالنسبة إلى الله تعالى ، أي : إدانة البشر والناس ، فالإدانة بمعنى السيطرة والقهر والإذلال للناس بإرسال الدين والتشريعات ، ولا يوجد نحو قهر في تلك الإدانة ، بل هي بمعنى أنَّه تعالى لم يجعل الناس على حرّيّتهم يتصرّفون ولا على إدراكهم يعملون . وبهذا المعنى يكون الدين بمعنى الشريعة كالدين الإسلامي ، فيكون المعنى بل تكذّبون بالدين الإسلامي .
الثاني : الإدانة والمسؤوليّة واشتغال الذمّة بتلك التعاليم الدينيّة ، أي : اشتغال ذمّة الناس بوجوب طاعة تلك التعاليم ، فيكون المراد : أنَّكم مهملون من هذه الناحية ، فلا تشعرون أنَّ ذممكم مشغولة بوجوب إطاعة تلك التعاليم - على مستوى الدنيا لا الآخرة - وقد أخذتم حرّيّتكم التي سلبها منكم الله حسب حكمته وعدله ورجعتم إلى الحرّيّة المناسبة مع الشهوات والنفس الأمّارة بالسوء ، فبدل أن يكون الإنسان عبداً لله صار عبداً لشهواته : أَرَأَيْتَ
هامش
( 1 ) أُنظر : لباب التأويل في معاني التنزيل 402 : 4 ، لطائف الإشارات 697 : 3 ، وغيرهما .