مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ « 1 » .
وقد يرد إشكال على الفهم المشهور للسياق ، أعني : ما إذا فهمنا من الإنسان مطلق الإنسان ، فيكون المراد : أنَّ سلوكك وتصرّفك يا مطلق الإنسان باطلٌ بالغرور ، ما يُغني عن قوله تعالى : كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ فيكون أقرب إلى تكرار المعنى بعده مباشرة بقوله : كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ . وكأنَّما يُصبح هذا التكرار سمجاً على الفهم المشهور القائل بأنَّ المقصود مطلق الإنسان .
ويمكن الجواب عن الإشكال - حتّى لو فهمنا من الإنسان مطلق الإنسان - من وجهين :
الوجه الأوّل : أنَّ المتكلّم في القرآن - أي : الله تعالى - قد بيّن المعلول وهو الغرور ، ثُمَّ بيّن العلّة وهو التكذيب ، فالتكذيب بالدين يكون سبباً للغرور ، والغرور سبباً للذنوب ، وبيان العلّة مع بيان المعلول لا محذور فيه ولا شائبة .
الوجه الثاني : ما يظهر من ) الميزان ( « 2 » من أنَّ الأوّل توبيخ والثاني إخبار ، فالآية كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ إخبارٌ في مقام وصف حالنا ، وهو التكذيب بالدين . وأمّا الأوّل وهو قوله : يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ فهو توبيخ في أُسلوب الاستفهام الاستنكاري ، فكلّ واحد من التعبيرين يشكّل أسلوباً ، ومع اختلاف الأسلوب ترتفع السماجة .
وقد يُلاحظ عليه أنَّ هذا وجيه لو كان هناك فرق بين الآيتين ، فلو كان السؤال : ما الفرق بين آية الغرور وهذه الآية ( التكذيب ) ، فحينئذٍ نقول : إنَّ
هامش
( 1 ) سورة الفرقان ، الآية : 43 .
( 2 ) أُنظر : الميزان في تفسير القرآن 224 : 20 ، تفسير سورة الانفطار .