الدلالة الالتزاميّة أكثر ممّا يريد الدلالة المطابقيّة . ونظير ذلك قولهم : زيد كثير الرماد أي : كريم ، فالمراد هنا ليس التأكيد على كثرة الرماد التي هي الدلالة المطابقيّة ، بل المراد لازمه ، وهو الكرم الذي هو مدلول التزامي للكلام .
ثُمَّ إنَّ فهم المشهور من الإنسان في قوله تعالى يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ مطلق الإنسان ، ينسجم واختيارهم مع الآية السابقة : كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ . إلّا أنَّ التحقيق - كما ظهر من بعض الأُطروحات - : أنَّ المقصود هو الإنسان المطلق ، ولعلّ هذا الفهم يتعارض مع مضمون الآية كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ؛ لتغيّر الأمر حينئذٍ ، فيلحق بالإنسان المطلق كلّ ما تتحدّث عنه الآية من الذنوب وعدم الإيمان بالدين ، فكانّما الآية تقول : أيّها الإنسان المطلق ، لا تؤمن بالدين ، وإنَّ كذا سبب للذنوب والعيوب والعاهات والبليّات .
ويمكن أن يُقال : هناك مستويان للجواب أحدهما مرتبط بالآخر .
المستوى الأوّل : أن تكون ( ما ) استفهاميّة ، يعني : يا أيّها الإنسان ، ما الذي غرّك بربّك الكريم ؟ ويكون جواب الاستفهام ( كلا ) أي : لم يغرّك بربّك الكريم شيء .
المستوى الثاني : أنَّه بعد هذا الجواب - أي : بعد ثبوت عدم اغتراره بشيء - يتغيّر السياق ؛ لأنَّه لم يقل : بل أنت تكذّب بيوم الدين ، بل قال : كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ أي : إنَّ المعنى هنا غير المعنى هناك ، فالمعنى هناك خاصّ بالإنسان المطلق ، وهنا عامّ لكلّ البشر .
مع أنَّ سياق الآية كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ يُفيد أنَّ الخطاب للناس ، مع أنَّ لفظ الناس غير موجود . وبتعبيرٍ آخر : إنَّ مرجع واو الجماعة وإن لم يكن في البين أصلًا ، إلّا أنَّ الناس هم المخاطبون خاصّة حسبما يُستفاد من قوله تعالى
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 438
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٤٣٨