أسوأ من الاغترار ، وهو التكذيب بيوم الدين ، ذلك يعني الترقّي في البيان .
ونحاول هنا أن نفهم المراد من التكذيب بالدين ، كما يُستفاد من ( تكذّبون ) .
أقول : التكذيب له مراتب ، ظاهره اليقين بالعدم ، أي : دعوى نفي يوم القيامة كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ، كما فهم المشهور « 1 » .
بل هناك مراتب أُخرى ، منها التشكيك بيوم القيامة ؛ فهو أيضاً تكذيب ؛ لأنَّ المترقّب من الإنسان أن يكون على يقين من ربّه ومن إخبارات ربّه بما فيها يوم القيامة ، فإذا كان مشكّكاً فكأنَّما كان مكذّباً ، كما قد يُقال : إنَّ مَن لم يكن معنا فهو ضدّنا .
ومن تلك المراتب التي فرضناها للتكذيب بالدين هو الإهمال في الانقياد للأوامر الإلهيّة ، فكثير من الناس ( والحمد لله ) يؤمنون بالدين ويشهدون أن لا إله إلّا الله وأنَّ محمّداً رسول الله وأنَّ المعاد من أُصول الدين ، لكن يهملوه وينسوه ويسقطوه عن نظر الاعتبار في تصرّفاتهم ، فهذا وإن كان تصديقاً بالدين باطناً ، إلّا أنَّه تكذيب بالدين ظاهراً ؛ إذ لو كان مصدّقاً لفعلٍ ، أي : لمشى على تصديقه ، وبما أنَّه لم يمشِ على تصديقه فهو والكافر على حدٍّ سواء . فهذا تكذيب بالمعنى اللغوي المجازي ، لكنّه حقيقي بالمعنى الأخلاقي ، ومن هنا يكون المدلول الالتزامي هو أنَّكم تكذّبون وأنَّ ديدنكم إهمال طاعة الله تعالى . نعم ، ما يدلّ بالدلالة المطابقيّة هو بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ولكن المراد الدلالة الالتزاميّة ، أي : إنَّكم تذنبون وتهملون طاعة الله ، فالمتكلّم أحياناً يريد
هامش
( 1 ) راجع جامع البيان في تفسير القرآن 56 : 30 ، تفسير سورة الانفطار ، والميزان في تفسير القرآن 255 : 20 ، تفسير سورة الانفطار ، ونحوهما .