أي : إنَّنا نتصوّر هذه الأشياء على كثرتها موجودة ، فالحقيقة المحمّديّة موجودة من هذه الناحية . وأمّا في عالم الغناء فكلّ الخلق يزول حتّى الكمال المطلق - أي : كمال الخلق المطلق - إلّا الله تعالى ؛ لأنَّه باقٍ وما عداه فانٍ .
* * * * قوله تعالى : كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ :
كلّا للنفي ، والمراد نفي المضمون السابق في السورة أعني : يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ وهو الغرور في الربّ الكريم ، فكأنَّ شخصاً يسأل : هل يجوز أن أغتّر بالربّ الكريم ؟ فيجيب : كلّا ، فكلّا إنَّما هي للنفي بدلالةٍ مطابقيّة . وفي ) الميزان ( أفاد : أنَّ ( كلا ) ردع عن المضمون السابق « 1 » . ويمكن أن نقول : إنَّها ردع بالدلالة الالتزاميّة ؛ فإنَّه نفي للسابق ، فالمنفي لا ينبغي التورّط فيه ، ويجب أن نبعده عن حياتنا ، ولذا صارت بمنزلة الردع ، وإلَّا فكلمة ( كلا ) غير موضوعة للردع ، ولا تدلّ عليه بالمطابقة ، واستعمالها هنا بنحو المجاز .
فإن قيل : إنَّه لا بأس في استعمالها مجازاً للردع بدل النفي .
قلنا : إنَّ المشهور لا يرى جواز استعمال الحروف مجازاً بعضها محلّ بعض .
ومن جانب آخر يُلاحظ التصاعد والترقّي في البيان في الآية أعني : قوله تعالى : كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ . والغرض : وهو أنَّ الإنسان لا يغتّر بالربّ الكريم فحسب ، بل يكذّب بيوم الدين ، فلو كان يغتّر ولا يكذّب لكان أهون ، ولكن يقترف الذنوب لا لمجرّد الاغترار - مع أنَّه سبب للذنوب - بل لما هو
هامش
( 1 ) أُنظر : الميزان في تفسير القرآن 225 : 20 ، تفسير سورة الانفطار .