تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
صنعته ، فليس لي أن أُغيّره بل يستمرّ على الصورة التي هو عليها ، وهذا هو التخيير أو التغيير الابتدائي ، وتارةً يمكن لي أن أُغيّره كيفما أشاء وهذا هو التخيير أو التغيير المستمر ، ويمكن تسميته التخيير في التغيير . فلنا هنا أن نسأل : هل عمل الله عزّ وجلّ تخييري ابتدائي بالنسبة إلى الصورة أم تخييري مستمرّ ؟ ولو سألنا المتشرّع العامّي فقد يختار ارتكازاً الأوّل ، وهو أنَّ التخيير ابتدائي ، فإذا جعلني طويلًا مثلًا لا يمكنه أن يجعلني قصيراً . إلّا أنَّ الظاهر أنَّ الصحيح هو القول بالتخيير المستمرّ ، وإن كان بحسب ظاهر الشريعة وظاهر الحياة الدنيا أنَّه بالتخيير الابتدائي . إلّا أنَّه أجلّ من ذلك ، ولذلك تطبيقات ومصاديق ، فالإنسان يمرض ويتعافى ، وكذلك الأبيض يقف في الشمس فيصير أسمر ، أو السمين يضعف وبالعكس ، فكلّ هذا من التخيير المستمرّ . لكن جملة من الأشياء تكفّل الله جلّ جلاله بعدم تغييرها ، واعتدنا عليها ، كالطويل مثلًا لا يقصر ، وبإرادته لا يقصر لا بالرغم عنه ؛ بدليل أنَّ القصير يطول . نعم ، هاهنا موارد التزمها الله تعالى لقانون يريد تطبيقه في الدنيا ، وإلَّا فبيده التغيير المستمرّ لا التغيير الابتدائي . ومثال آخر : إنَّ الإنسان يولد صغيراً ، ثُمَّ يكبر ، ثُمَّ يشبّ ثُمَّ يهرم ، ونحوه الكلام في التغيير في العوالم الأُخرى . ولذا يُقال : إنَّ العقل يتغيّر والنفس تتغيّر ، فالعقل يتغيّر كثيراً ، فشخص يكون في مرتبة ملحداً ( والعياذ بالله ) أو كافراً أو مسيحيّاً ، ثُمَّ يؤمن أو بالعكس فيكون مرتدّاً ؛ إذ القناعة قد تتغيّر ، أي : عقله يتغيّر ، وليس العقل كملكة ، وإنَّما العقل كظرف لقناعة ما ، ثُمَّ يكون ظرفاً لقناعة أُخرى . كما أنَّ عقلك قد يتّسع وثقافتك أو كمالك قد يزيد ، وهكذا . وهذا نحو من التغيّر والحركة كما توجد حركة في المادّيّات بهذا