فليس هو المقصود ، بل المقصود من الآية أنَّ ( أي ) قد تأتي للتنكير نحو : أعطني كتاباً أيّ كتاب أو أيّاً كان ، وهي ليست موصولة ولا شرطيّة ولا استفهاميّة ، كما هو الحال في الآية . ويمكن التمييز بينها وبين الاستفهاميّة التي يدّعيها ابن الأنباري أنَّنا قد نقول : أيّ طريق أسلك ؟ بنحو الاستفهام ثُمَّ نحوّله إلى إخبار فنقول : أُنظر في أيّ طريق أسلك ، مع أنَّنا لم نفعل شيئاً سوى إضافة ( أُنظر ) فتحوّل المعنى من الاستفهام والإنشاء إلى الإثبات ، أي : إنَّ ( أي ) كانت استفهاميّة فأصبحت للتنكير ، فتكون مفعولًا به ، ويراد بها التنكير ، مع أنَّ العبارة لم تختلف . فبحسب هذه الأطروحة يكون المراد من ( أي ) التنكير أو التخيير ، أي : التنكير الذي يفيد التخيير ؛ لأنَّ النكرة عبارة عن اسم جنس له مصاديق كثيرة ، ولله تعالى أن يختار أيّ مصداق من مصاديق الصورة ، فيصبح بحسب النتيجة العقليّة أنَّ ( أي ) تفيد التخيير يعني : ركّبك في أيّ صورة يختارها لك .
الّلهمّ إلّا أن يُقال كدفاع عن ابن الأنباري : إنَّ ( أي ) استفهاميّة ، ومع ذلك لا تفسد المعنى ، فيقال : إنَّ الجملة الاستفهاميّة إذا وقعت في مثل هذا السياق أفادت التنكير ، فهي جملة استفهاميّة في جوهرها كما نستشعر السؤال في مثل هذا التركيب في أيّ صورة ، لكن إذا وقعت في مثل ذلك تفيد التنكير ، غير أنَّ هذا معناه خروج الاستفهام عن كونه استفهاماً ، فإذا لم نفهم منها الاستفهام فهو ليس باستفهام ؛ لتمحضّه في التنكير .
ويُلاحظ في الآية أنَّ ( شاء ) و ( ركّبك ) أفعال ماضية ، مع أنَّه قد يخطر في الذهن أنَّ المراد ضرب القاعدة العامّة للخلق وترتيب صورها ، أي : إنَّ الله تعالى يختار أيّ صورة ، فيكون الأنسب أن تكون الأفعال مضارعة بأن يقول :
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 432
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٤٣٢