النقطة الثالثة : أن نؤوّل هذه الآيات بمعنى المذكر ، فنعطيها معنى مذكّراً ، فيكون الأُسلوب مطابقاً مع اللغة الحديثة . ويمكن إفادته بعدّة طرق أوضحها أن نقدّر ( شيء ) وشئ مفرد مذكّر ، فقوله : فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ « 1 » تقديره : وما كان شيء هو عاقبة المكذّبين أو شيء نعبّر عنه بلفظ آخر هو عاقبة المكذبين . وقوله : وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ « 2 » تقديره : وما كان شيء هو صلاتهم وهكذا . وأنت خبيرٌ بما فيها من نقاط الضعف :
الأُولى : أنَّ التأويل خلاف الظاهر والأصل ، ولا يُصار إليه إلّا في موارد الضرورة ، ونحن نقول : لا ضرورة إلى التأويل .
الثانية : أنَّ التأويل في القرآن صحيح ووارد بعد التنزّل عن النقطة الأُولى ، لكن كما هو صحيح ووارد في القرآن كذلك صحيح ووارد في غيره ، فالتأويل في القرآن لا يستدعي عدم استطاعتنا أن نتكلّم مثل القرآن ، فإن أوّلنا القرآن أوّلنا ما نتكلّم به أيضاً ، وإن لم نؤوّل القرآن لم نؤوّل كلا الطرفين أيضاً . وكما يمكن تأويل القرآن يمكن تأويل كلامنا ، وهذا لا يعني أنَّ القضية خاصّة بمورد واحد في واقعة واحدة ، بل هي قاعدة وفي نفس الوقت تخضع كلّ المصاديق للتأويل ؛ لأنَّ في دعوى أنَّها عبارة فصيحة .
الثالثة : أنَّ التأويل غير جائزٍ في بعض الموارد من الآيات كصورة الجمع ، أي : فيما إذا كان اللفظ جمعاً من قبيل : فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ لأنَّنا قلنا : إنَّ الجمع بمنزلة المؤنّث ، فلابدّ أن يؤنّث ، فالتأويل هنا غير جائزٍ ؛ لأنَّ التأويل قائم على تقدير ( شيء ) أي : في المفرد المذكّر ، وأمّا الجمع فلا يمكن أن
هامش
( 1 ) سورة الزخرف ، الآية : 25 .
( 2 ) سورة الأنفال ، الآية : 35 .