رتبة فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ . وحينئذٍ تلغي الفاء الثانية ، ولابدّ أن نحملها على معنى الواو ، فالأُولى بمعنى الفاء الحقيقيّة ، والثانية بمعنى الواو مجازاً ، فيكون ذلك على خلاف وحدة السياق بين الفاءين ، ما يناسب أن نحملها على معنى واحد لا على معنيين .
ومنها : أن يقال : إنَّ ( خلقك ) إشارةٌ إلى أصل الخلق ، و ( سوّاك ) إشارةٌ إلى مطلق التسوية للجهة المادّيّة والمعنويّة معاً ولكلّ من الجسم والنفس والعقل ، و ( عدّلك ) إشارةٌ إلى عدالة النظام الذي خلقه الخالق جلّ جلاله . والعدالة تتصوّر بجميع أنحاءها ، فعدّلك أي : وضعك في نظام تكويني عادل ، أو أنزل لك شريعة عادلة ، وأمرك بالتصرّفات والأقوال والأفعال العادلة ، أو ربّاك بحيث تكون عادلًا ولو اقتضاءً إن لم يكن بنحو العلّيّة .
ومنها : أن يكون المراد بالإنسان في قوله يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ الإنسان المطلق لا مطلق الإنسان ، فخلقك يعني : أوجدك بالخلق البسيط لا بالخلق المركّب ، و ( سوّاك ) : إمّا بمعنى : ساواك مع مصاديق أمثالك ، أي : رفعك إلى درجة الإنسان المطلق ، وإمّا بمعنى : أخذ الخلاصة الصافية والمتجانسة للعقل والنفس بعد طرح البلايا والشهوات والحجب ، حتّى يصير الإنسان مطلقاً ؛ إذ لا تصعد كلّ ملكات الإنسان إلى فوق ، بل الخلاصة الصافية والمتجانسة المتعادلة منها .
و ( عدّلك ) : إمّا بمعنى : شهد بعدالتك ، أي : بمستواك العالي الذي أعطاه لك ، وإمّا جعلك عادلًا في حكمك على الأشياء بعد أن كشف لك حقائقها - والكلام في الإنسان المطلق - وكلّه لطفٌ إلهي ، وإمّا جعلك عادلًا في تصرّفك تضع الأشياء في موضعها المناسب ، كما قال تعالى في الحديث
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 409
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٤٠٩