التفسير الذي سيأتي تفسير تبرّعي ولا دليل عليه ، بل الدليل إجمالًا ثابتٌ ، وهو صيغة السؤال نفسها ؛ إذ لا يناسب أن تكون اثنان أو جميع الموادّ ( خلقك فسواك فعدلك ) بمعنى واحد ، فحينما لا يناسب نضطرّ أن نحمل واحداً على معنى والآخر على معنىً آخر ، وهو قرينةٌ عامّةٌ على تعدّد المعنى في هذه الموادّ الثلاثة . ولذا نقول : إنَّ اختلاف المعنى لا يحتاج إلى قرينةٍ ، وإنَّما يكفي فيه القرينة العامّة ، وهو عدم إمكان تكرار المعنى ، كما هو مفروضٌ الآن . وحينئذٍ يلزم الإشارة إلى بعض الأُطروحات في معاني تلك الموادّ ، وهذه الأُطروحات تتضمّن أكثر من وجه واحد ، كما سوف يظهر ، وهي بمجموعها أيضاً ليست أُطروحات منحصرة ؛ إذ يمكن أن يُتصوّر أُطروحات أُخرى على ضوء المعاني اللغويّة السابقة على الأقل .
فمنها : أن يُقال : إنَّ ( خلقك ) إشارة إلى أصل الخلق أو الجنين حال وجوده في بطن أُمّه ، و ( سوّاك ) إشارة إلى الولادة والطفولة بمعنى : تسوية الأعضاء الكاملة للإنسان من أوّل وجوده في الدنيا إلى آخرها ، و ( عدّلك ) إشارة إلى الرشد والكبر بمعنى : تسوية وتعديل القوى النفسيّة والعقليّة .
ومنها : أن نلتزم بنفس الأُطروحة السابقة مع حذف الزمان ، فلا حاجة إلى أن نقول : إنَّ هذا أسبق ثُمَّ هذا أسبق ، بل هو تعالى خلق وأعطى الأعضاء كاملة وسويّة ، كما عدّل القوى النفسيّة والملكات .
ولعلّ هذا المعنى أقرب إلى المشهور ، إلّا أنَّ فيه إسقاطاً للترتيب المستفاد من الفاء ؛ فإنَّ المعنى المشتمل على الترتيب أفضل وأقرب إلى ظهور الآية ، وهذا المعنى المفترض ليس فيه ترتيب بلحاظ الخلق والعدل والتسوية ، ولا أقلّ من المصير إلى أنَّ الخلق أسبق رتبةً ، لكن تعديل الظاهر والباطن متساوية
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 408
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٤٠٨