وهاهنا معنى آخر للعدل وهو الانعطاف ، فعدل عن الطريق أي : انعطف عنه ، وأصله إيجاد العِدل للشيء الأوّل ، وإعطاء الأهمّيّة للشيء الثاني ، أي : كنت اختار هذا الطريق والآن عدلت أي : أسقطت أهمّيّة الطريق الاوّل وأعطيت الأهمّيّة للطريق الثاني . ومن هذا القبيل جملة من الأساليب والأفعال ، فيقال مثلًا : عدلت عن العمل الأوّل واخترت العمل الثاني ، ويستعمل في غيرها أيضاً ، فيُقال : عدل برأيه عن كذا ، أو عدل بصداقته عن فلان ، أو عدل بتقليده عن المرجع الفلاني . ومنه قوله تعالى : بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ « 1 » وقوله : بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ « 2 » أي : يشركون ويجعلون لربهم عديلًا أي : مساو في الأهمّيّة ، وربما كان في نظرهم أهمّ من الله تعالى . ولا يراد به في المقام العدل الحقيقي أو المادّي ، بل يفيد معنى البداء أي : تغيير الرأي أو تغيير وجه المصلحة ، وهو أمر ممكن للبشر وللمخلوقين بأن يتركوا أمراً ويعدلوا إلى آخر ، فالبداء والعِدل هنا بمعنى واحد ، وهو أمر جائزٌ للبشر وللمخلوقين عموماً ، سواء قلنا بجوازه في حقّ الله تعالى أم لا .
فقد ظهر : أنَّ للخلق ثلاثة معانٍ :
أوّلًا : التقدير المستقيم .
ثانياً : الإبداع .
ثالثاً : الإيجاد .
وأمّا التسوية : فلها معنيان :
الأوّل : الإيجاد .
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، الآية : 1 .
( 2 ) سورة النمل ، الآية : 60 .