يساوي ساواك ؛ لأنَّه مادّة المساواة . يُقال هذا ثوب مساوٍ لذلك الثوب ، أي : بالذرع ، وهذا الدرهم مساوٍ لذلك الدرهم ، أي : بالوزن في حدود الدراهم التي كانت في حينه ؛ لأنَّ الدراهم لم تكن أحياناً متساوية وزناً بالدقّة . . . وتسوية الشيء جعله سواء : إمّا في الرفعة أو في الضعة . وقوله الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ أي : جعل خلقتك على ما اقتضت الحكمة . وقوله وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا « 1 » إشارةٌ إلى القوى التي جعلها للنفس ، فنسب الفعل إليها ، فما سوّاها أي : التكوين داخل أجزاء النفس وملكاتها وجوانبها بإزاء احتمال آخر ، وهو أنَّ ( وما سوّاها ) أي : الله سوّاها بمعنى : خلقها .
وقد يُلاحظ عليه أمران :
الأوّل : أنَّ ( ما ) وضعت لغير العاقل ، فارجاع اسم الموصول إلى الله - وهو أحكم الحاكمين - ممّا لا يجوز ولا يعقل ، فلابدّ أن نقول : ( ونفس ومَن سوّاها ) حتّى يصح الإرجاع لا ( ونفس وما سوّاها ) .
الثاني : أنَّ ( ما ) لا يُعبر به عن الله تعالى ؛ إذ هو موضوعٌ للجنس ، أي : الموضوع لمعنى كلّي ، والله تعالى ليس بكلّي ، ولم يرد به سمعٌ يصحّ .
فتحصّل : أنَّ للتسوية معنيين أساسيين أوّلهما وأصلهما من المعادلة والمساواة ، وهذا يقتضي وجود شيئين لا شيء واحد ؛ لأنَّ المساواة معنى إضافي ، والمعاني الإضافية تحتاج إلى طرفين ؛ إذ لا تقوم إلّا بطرفين . فقوله فسوّاك بتقدير الكثرة أي : ساوى بين قواك وملكات عقلك وملكات نفسك ، مع أنَّها متناثرة ومتعارضة . وهنا قد يُقال : إنَّ هذا التقدير خلاف الظاهر ، كما أنَّ الثلاثي منه غير المزيد ؛ لأنَّه قال : ( سوّاك ) و ( سوّاها ) ولم يقل :
هامش
( 1 ) سورة الشمس ، الآية : 7 .