تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
سابقٍ . الثالث : أن يُقال : إنَّ الإبداع هو الخلق على غير مثال يصنعه غيره ، فإذا رأيتك مثلًا قد صنعت إبريقاً أو صنعت كرسيّاً فأنا أُريد وأُحاول أن أصنع مثله ، فذلك ليس بإبداع ، وأمّا إذا صنعت أنا نفس الكرسي الأوّل فهذا من الإبداع ؛ لأنَّ الأوّل أنا صنعته وليس غيري . فإذا كان تمثيلًا لما يصنعه غيره فهو ليس بإبداع ، وإن كان تمثيلًا لما صنعه هو فهو إبداع ، والله تعالى كذلك : فإن كان ما خلقه تمثيلًا فهو تمثيلٌ لما خلقه هو ، لا ما صنعه غيره ، فالله لا يخلق على مثالٍ يصنعه غيره ، بل على مثال يصنعه هو بنفسه جلّ جلاله كأفراد النوع المتشابهة . والجيل السابق هو خالقه ، والجيل اللاحق خالقه أيضاً ، وهكذا تتوالى الأجيال ، فتكون كلّها إبداعاً بهذا المعنى ؛ لأنَّها ليست على مثالٍ صنعه غيره ، فيتساوى معنى الخلق والإبداع بمعنى : أنَّ كلّ خلق إبداع . رابعاً : أن يُقال : إنَّ الله تعالى لا يخلق الأفراد على مثال سابقاتها ، فمثلًا أنا رأيت كرسيّاً مصنوعاً ، فلكي أصنع مثله أنظر كلّ مدة إلى وضع الخشبة والمسمار إلى أن تنطبع صورته في ذهني فاصنعه ، وهذا ليس بإبداع ، لكنّه إذا رأيت كرسيّاً مصنوعاً فأعرضت عنه وعملت كرسيّاً بغضّ النظر عن الكرسي الأوّل ، فهو الإبداع ؛ لأنَّه ليس على مثال ذاك الكرسي الأوّل . وحينئذٍ نقول : إنَّ الله تعالى في كلّ أعماله كذلك ، فحينما خلقني لم ينظر إلى خلق زيدٍ ، وحينما خلق الثاني لم ينظر إلى خلق الثالث ، وحينما خلق الثالث لم ينظر إلى خلق الرابع ، وإنَّما تماثلت بمشيئة الأفراد ، لكلّ واحد منها مشيئة مستقلّة ، وليس احتذاء بذاك المعنى . نعم ، هي عرفاً متشابهة ، لكن هو شاء أن تكون متشابهة ، لا أنَّه رأى شيئاً ، فعمل مثلًا اضطراراً ، ولا يوجد شيء من هذا القبيل لا من