تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
الوجود بهذا المعنى ، والحدّ هو إعطاء المقدار أو التقدير ، كحدّ الزمان والمكان والطول والعرض . فزيد مثلا يولد في سنة كذا ، ويموت في تأريخ كذا ، ويكون في مكان كذا ، وطوله ولونه كذا ، وأشياء كثيرة أُخرى ، ولذا قلنا في القضاء والقدر : أنَّ القدر هو الحدّ والقضاء هو الحتم ، فكون شيءٍ محتوماً أي : أنَّ هذا القدر محتومٌ أي : أن يُعطى زيد مثلًا المواصفات دون غيرها ، فمن حيث الحتم يكون قضاءً ومن حيث الحدّ يكون قدراً . فإن قلت : إنَّ الحدّ صار تفسيراً للخلق وللقدر ، فكلاهما حدّ : الخلق حدّ والقدر حدّ ، فكأنما أصبحا شيئاً واحداً . قلنا : إنَّهما في الحقيقة ليسا بمعنى واحد . ويمكن تفسير ذلك على وجهين : الأوّل : أن نقول : إنَّ مجموع القضاء والقدر هو الخلق لا القدر وحده . الثاني : أن ننظر إلى الحدّ كعلّة غائيّة ، والعلّة الغائيّة كما ذكر في الفلسفة أوّلها فكرة وآخرها تطبيق ، نظير مَن يرغب في الجلوس على الكرسي ؛ فإنَّ ذلك أوّل العلّة الغائيّة ، ثُمَّ يقوم فيصنع كرسيّاً يجلس عليه ، وهو نهاية العلّة الغائيّة . وهو كما ينطبق على المخلوق ينطبق على الخالق جلّ جلاله ، فإذا نظرنا إلى العلّة الغائية من أعلاها أي : من بدايتها نقول : هو تقدير أو قدر ، وإذا نظرنا إلى العلّة الغائيّة من حيث تطبيقها نقول : هو خلق . وأمّا قوله تعالى : فَسَوَّاكَ فقد أفاد الراغب « 1 » : أنَّ المساواة : المعادلة المعتبرة - من الناحية العرفيّة والسوقيّة - بالذرع والوزن والكيل ، هذا يساوي هذا وزناً وهذا يساوي هذا ذرعاً ، أي : طولًا ومساحة ، ولا بأس في أن يُقال :
هامش
( 1 ) أُنظر : مفردات ألفاظ القرآن : 257 ، مادّة ( سوا ) .