هو الإبداع إلّا لله تعالى ، ولهذا قال في الفصل بينه تعالى وبين غيره : أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ « 1 » « 2 » .
هذا بالنسبة إلى تفسير مادّة الخلق فقال : إنَّ أصله التقدير المستقيم ، ويستعمل في إبداع الشيء من غير أصل واحتذاء ، أي : أن يخلق شيئاً دون محاكاة أو تقليد ، بل لأوّل مرّة ، ما يطلق عليه بالإبداع .
وأفاد الراغب في الإبداع : الإبداع إنشاء صنعة بلا احتذاءٍ واقتداءٍ ، أي : لا أقتدي بغيري وأعمل كفعل غيري ، بل أعمل بغضّ النظر عن الآخرين ، ومنه قيل : ركيّة بديع أي : جديد الحفر ، بمعنى : محفورة لتوّها أو في زمانٍ قريبٍ . وإذا استعمل الإبداع في الله فهو إيجاد الشيء بغير آلةٍ ولا مادّةٍ ولا زمانٍ ولا مكانٍ ، وليس ذلك إلّا لله « 3 » .
أقول : هكذا فهم الراغب من الإبداع أنَّه بغير آلةٍ ولا مادّةٍ ولا زمانٍ ولا مكانٍ ، لكن الظاهر أنَّ هذا بلا احتذاء واقتداء ، وهو أيضاً يذهب إلى ذلك ، لكنّه حينما يطبقّه على الله يفيد معنى جديداً .
وليس هذا بصحيح ، فالإبداع هو عدم المماثلة أو عدم قصد المماثلة في الحقيقة ، وهذا يكفي في أن ينطبق على الله وينطبق على أيّ واحدٍ حينما يعمل شيئاً جديداً . فمخترع الثلّاجة أو الغسّالة بدون احتذاءٍ سابقٍ أو اقتداءٍ سابقٍ مبدعٌ لها بهذا المعنى ، والله تعالى حينما أوجد الكون أوجده من دون احتذاء
هامش
( 1 ) سورة النحل ، الآية : 17 .
( 2 ) أُنظر : مفردات ألفاظ القرآن : 158 ، مادّة ( خلق ) .
( 3 ) أُنظر المصدر السابق : 36 ، مادّة ( بدع ) .