واقتداء سابقين ، بل أبدعه بهذا المعنى بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ « 1 » .
إذن الخلق هو الإبداع ، ويستعمل في إبداع الشيء من غير أصلٍ ولا احتذاء ، فالخلق هو الإبداع ، والإبداع هو الإيجاد .
فالخلق إذن هو الإيجاد ، والإيجاد بالنسبة إلى الله تعالى هو إعطاء فيض الوجود من بعد العدم ، وهو خاصّ به تعالى ، فنحن نحتاج إلى مادّة خشبيّة كي نصنع كرسيّاً مثلًا ، ولكن الله تعالى يخلق الكرسي من دون حاجةٍ إلى مادّة الذي هو معنى من معاني الإيجاد ، أي : إفاضة الوجود من العدم .
وأمّا كونه على غير مثال سابق فقد يستشكل في ذلك بالنسبة إلى خلق الله تعالى من حيث تماثل أفراد النوع في كلّ الأنواع ، فأبناء هذا الجيل من البشر يماثلون الجيل السابق ، والجيل السابق مماثلٌ له ، فأيّ واحد من الجيل هو مماثل نوعاً لغيره من إنسانٍ أو حيوانٍ أو نباتٍ ، فإيجاد مثل هذه الأنواع ليس إبداعاً ، فلماذا يقول بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ؟
ويحتمل في الجواب عدّة وجوه :
الأوّل : أنَّنا نسلّم أنَّ في مثل تكثير أفراد النوع - أيّاً كان - لا يصدق عليه الإبداع ، وإنَّما هو مجرّد خلق ، أي : يصدق عليه الخلق ، ولا حاجة إلى صدق الإبداع ، فالخلق هو مطلق الإيجاد ، سواء كان على مثالٍ أم لا ، والإبداع هو الإيجاد على غير مثالٍ ، فيكون الإبداع أخصّ من الخلق ، فتكون أفراد النوع مخلوقة ، إلّا أنَّها ليست بالإبداع ، ولا محذور في ذلك ، وإنَّما خلق الله تعالى من دون إبداع ، كما أفاده بقوله : أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ « 2 » .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 117 ، وسورة الأنعام ، الآية : 101 .
( 2 ) سورة الأحقاف ، الآية : 4 .