وقد تقدّم أنَّ العرف والقرآن الكريم قد يدمج ويركّب بين كلامين ، وليس كلاماً واحداً ، وعلى أيّ حال فقد يكون السياق عن الآيات التي نتحدّث عنها من هذا القبيل ، وبهذا نفهم صفة الكريم في قوله تعالى : مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فيقال : إنَّها وردت وحدها بحسب السياق وإنَّ ما بعدها استطراد خارجي من قبيل الاستطرادات في الآيات التي استشهدنا بها ، وبذلك نقيم قرينةً سياقيّة ، والاحتمال دافع للاستدلال ، على أنَّ الصفة والموصوف لا يتكوّن منهما مفهومٌ واحدٌ لكي يرد الإشكال . أو نفهم أنَّ هناك مبتدأ مقدّراً تقديره ( هو ) لينفصل السياق المتأخّر عن المتقدّم . وعلى أيّ حال لا يتوقّف هذا الوجه على الفهم التجزيئي للقرآن ؛ لأنَّ الفهم التجزيئي لا يحاول إعطاء أيّ فلسفة للتجزئة ، مع أنَّنا فصلنا بين السياقين ، وأعطينا سبب ذلك كما عرضناه سابقاً .
وينبغي التنبيه على أمرين :
الأوّل : أنَّ الاستطراد في الآيات التي استشهد بها باعتبار تعدّد القائل ؛ لوضوح أنَّ مؤمن آل فرعون كان يتحدّث والله يتحدّث ، ولقمان يتحدّث والله يتحدّث خلال كلامهما ، إلّا أنَّه يلاحظ في الآية التي نحن بصددها أنَّ القائل واحد ، وهو الله تعالى ، والاختلاف إنَّما هو في الداعي أو في الغرض ، لا في القائل .
أقول : إذا أمكن الاختلاف في وجهٍ أمكن الاختلاف في الوجوه الأُخرى .
الثاني : أنَّه قد يقال بإمكانيّة الجواب عن السؤال الأصلي السابق ، وهو أنَّه ما علاقة قوله تعالى : الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ بالرحمة والمغفرة ؟ وبتعبيرٍ آخر : ما دخل هذه الأوصاف في الرحمة والغفران ؟
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 393
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٣٩٣