تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
إنَّ معناها الحساب والعقاب في يوم القيامة ، وفهم من هذه الآية ارتباطها بالآية السابقة . وهذان المعنيان متنافيان ؛ وذلك بأن نلتفت إلى أنَّ اسم الموصول نعت لربّك الكريم ، والنعت قيد بالمعنى المنطقي والأُصولي ، وحينئذٍ يتكوّن من القيد والمقيّد مفهوم تصوّري أفرادي واحد مثل : سرج الفرس أو الرجل الكريم ، فلا يكون الربّ في الآية موصوفاً بالكريم فقط ، بل بكلا الآيتين اللاحقتين الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ وفِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ، فيكون مضمون الآيتين نعتاً للربّ ، ما يلزم منه ما لا يمكن الالتزام به ، وهو أنَّه كيف يمكن للفرد أن يقول : ( غرّني كرمك ) ، فالكرم وحده جزء من المفهوم الإفرادي الواحد الذي تشكّل من مجموع النعتين في الآيتين ، فقوله : ( غرّني كرمك ) فرع وجود الكرم مطلقاً ، أي : وحده في العبارة مع أنَّه ورد مقيّداً بما بعده ، وإيراد هذا المفهوم المتكوّن من كلّ هذه الأُمور - بأن يقول مثلًا : غرّني كرمك بصفتك قد خلقتني وسوّيتني وعدّلتني وفي أيّ صورة ما شئت ركّبتني - لا معنى له ؛ لعدم دخله بالعفو والمغفرة ، بل الكرم وحده دخيل في العفو والمغفرة . فماذا يقول المشهور مع أنَّه قدّم مثل هذا الفهم للآية السابقة وقدّم فهماً للآية اللاحقة ، وهما فهمان متنافيان وكلاهما مشهور ؟ فيقع المشهور في إشكال من أمره . ويمكن الجواب عنه من وجوهٍ : الوجه الأوّل : أنَّ الفهم المشهور قائم على الفهم التجزيئي للقرآن الكريم ، وذلك بأن نفهم كلّ مجموعة من الألفاظ أو قل : كلّ آية كأنَّها نزلت وحدها ، فيرتفع الاشكال بعد أن نتناول الآية يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ وحدها ، ولو نزلت الآية السابقة وحدها لكان الكريم مطلقاً غير مقيَّد بمفهوم تركيبي إفرادي ، وصحَّ رأي المشهور .
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 387 | السيد محمد الصدر / مؤسسة المنتظر لإحياء تراث آل الصدر