بالحلم فقط ، بل يطمع بالحلم مع زيادة الكرم ، فلا يطلب عدم السكوت عنه فقط ، وإنَّما يريد عطاءً ؛ ذلك لأنه لا يُطلب من العظيم إلّا العظيم ولا من الكبير إلّا الكثير ، فيكون قوله تعالى : يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ أنسب من قوله : ( يا أيّها الإنسان ما غرّك بربك الحليم ) ؛ لأنَّ طمع العبد بالله أكثر وترقّبه منه أكثر .
إنَّ فهم المشهور لا يختلف فيه بين أن يكون الاستفهام ، محضاً أو استنكاريّاً أو أن يكون السياق تعجّبيّاً ، إلّا أنَّ الأنسب هو الاستفهام الاستنكاري ؛ لأنَّ التعجّب سياق ضدّ المذنب والعاصي . فعندما نقول : إنَّ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ سياق تعجّبي فمعنى ذلك أنَّ الخطاب يكشف عن عمق حالة التعجّب والاستغراب في نفس السائل عن التمادي والتعدّي بالغرور ، بينما الاستفهام الاستنكاري والمحض أهون في الحساب . غير أنَّنا يمكن أن نفرض بُعداً باطنيّاً في التعجب ؛ إذ قد يكون فضيلةً لا رذيلةً ، فحينما نقول : إنَّ ما للتعجّب إذا صحّت في ( ما غرّك بربك الكريم ) فلأنَّ الإنسان كلّما زاد علماً بكرم الله تعالى زاد غروراً ودلالة عليه ، فكأنَّما قد رفع الحجاب بينه وبين الله ، وهو خاصّ بأهل المقامات العالية لا المقامات السافلة ، لكن بشرط أن لا يجرؤه ذلك على الذنوب ؛ فإنَّ المسألة دقيقة وينبغي أن نتناولها بحذرٍ . إذن هذا صادق في بعض درجات الكمال فضلًا عن الإنسان المطلق ، فيصدق التعجب إذا فهمنا من الإنسان الإنسان المطلق . ولكن بإزاء ذلك توجد مسألة أُخرى يعبّر عنها في الأدعية كثيراً ، وهي التي تنفع الناس بخلاف ما يوجب الدلال ؛ فإنَّها تضرّ الناس ؛ لانّها تكون سبباً للذنوب إذا لم تُفهم حقّ فهمها . وقد ورد في دعاء الصباح : ) سبحانك وبحمدك مَن ذا يعرف قدرك فلا يخافك ، ومَن ذا يعلم ما
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 384
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٣٨٤