كلّها دلائل على عظمته وقدرته ونزاهته ، وإنَّما سبّحته بصفة أُخرى ، كالرازقيّة والرحيميّة وما شابه ذلك . ومن هنا يتّضح مقصودنا بالجهة المقيّدة ، فهي بمعنى كون التسبيح بقرينةٍ وبسببٍ ، لا لمجرّد أنَّه وُصف بهذه الأُمور .
ثُمَّ إنَّ الآيات التي اشتملت عليها هذه السورة على نسقٍ واحدٍ ، وهو نسق الألف المقصورة ، وهنا لابدّ من الالتفات إلى الجهة البلاغيّة والإعجازيّة فيها ؛ إذ لا يتيسّر أبداً الإتيان بألفاظٍ ذات معانٍ مختلفةٍ تكون من جهة في مقام بيان المراد على اختلاف مضامينه ومحتواه ، ومن جهة أُخرى متلائمةً ومتناسبةً في حفظ النسق العامّ للآيات .
* * * * قوله تعالى : وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى :
التقدير المشار إليه في الآية مصدرٌ ، ومنه قدّر تقديراً ، وليس الغرض بيان الجهة اللغويّة هنا ، وإنَّما المهمّ بيان معنى التقدير .
فنقول : إنَّ التقدير إعطاء المقدار والحدّ للشيء ، ولكلّ شيء مقدارٌ وحدٌّ إلّا الله سبحانه ، فهو الذي أعطى المقدار والحدّ لكلّ الخلق ، ولهذا التقدير مرحلتان :
المرحلة الأُولى : التقدير في ذات الشيء ، يعني : لحاظ نفس الشيء بلحاظٍ استقلاليٍ وبصورةٍ مستقلّةٍ عن الأشياء الأُخرى ، كالتقدير الحاصل لفرد الإنسان ، ففرد الإنسان له عدّة تقديرات لطوله ولونه وسمعه وبصره ، وكذلك لصفاته الباطنيّة والمعنويّة .
المرحلة الثانية : التقدير بين الأشياء بعضها بالنسبة إلى البعض الآخر ، فاللحاظ هنا للوجودات المتعدّدة ، بخلاف ما في المرحلة الأُولى ، كما إذا
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 96
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٩٦