والغرض : بيان أنَّ الأرباب متعدّدون ، وقد أُمرنا أن نسبّح لمَن له العلوّ المطلق ، وهو الله سبحانه ، دون مَن له مطلق العلوّ ، أعني : سائر الأرباب .
* * * * قوله تعالى : الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى :
ونقول ابتداءً - على نحو الإجمال - : إنَّ ( خلق ) أوجد و ( سوّى ) عدّل .
وأمّا تفصيل الكلام فنقول : إنَّ الأشياء متضادّةٌ ومختلفةٌ ومتزاحمةٌ فيما بينها ، إلّا أنَّه مع ذلك يكمّل بعضها البعض الآخر ، والسرّ والإعجاز يكمن في أنَّه مع هذا الاختلاف وهذا التضادّ تسير الأُمور على نسقٍ واحدٍ ، كأنَّ بينها كمال الأُلفة ، فكلّ شيءٍ يسير حسب الحكمة الإلهيّة . وعلى هذا يكون معنى قوله تعالى : الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى : خلق المتضادّات من الأشياء وساوى بينها ، وهذه ليست وظيفةً يسيرةً ، بل هي كاشفةٌ عن قدرته تعالى .
ويُلاحظ : أنَّ التسوية متأخّرةٌ رتبةً لا زماناً عن الخلق ، كما يظهر من حرف العطف ( الفاء ) في قوله : الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى . وإنَّما قلنا بأنَّه تأخّرٌ رتبي لا زماني لأنَّه لا يتصوّر التأخّر الزماني ، بل خلق الخلق وسوّاه في زمانٍ واحدٍ .
وقد أفاد السيّد الطباطبائي ( قدس سره ) في « الميزان » ما نصّه : والخلق والتسوية وإن كانا مطلقين ، لكنّهما إنَّما يشملان ما فيه تركيبٌ أو شائبة تركيبٍ من المخلوقات « 1 » .
أقول : يُستفاد من كلامه ( قدس سره ) أنَّه ليس كلّ شيءٍ يحتاج إلى تسويةٍ ، فالأشياء المركّبة التي تحتوي على المتضادّات والمتنازعات أو شبه المركّبة هي
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن 265 : 20 ، تفسير سورة الأعلى .