كما يُلاحظ عدم وجود جامعٍ للإحاطة في كلامه يربط بين هذه المعاني المتباينة . وحيث إنَّ المعاني العرفيّة تبدأ من المعنى المادّي وتنتهي إلى المعنى المعنوي ، فإنَّ أصل مادّة ( أحاط ) هو الدوران حول الشيء بالكامل تقريباً أو تحقيقاً ؛ فنقول : ( أحاط الجيش بالمدينة ) لو دار حولها من جميع الجهات ، بخلاف ( طاف ) أو ( أطاف ) ونحوهما . والإحاطة المادّيّة تقتضي السيطرة المستوعبة ، كما أنَّ الحائط يحيط بالمكان ، فله سيطرةٌ مستوعبةٌ تمنع اللصوص عن الدخول مثلًا ، فصار معنى الإحاطة المستوعبة . أمّا الاستيعاب فلأنَّها تملئ الأجزاء كلّها حول المنطقة . وأمّا السيطرة فباعتبار انسداد الطريق عن المنطقة إلّا من خلالها .
إذن المعنى الجامع لها هو السيطرة المستوعبة للشيء ، ويختلف باختلاف المتعلّق ، فتارةً يُراد سيطرة الخلق والتدبير فيقال : وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً « 1 » ، وأُخرى يُراد سيطرة العقاب والقدرة التامّة عليه ، فيُقال : وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ « 2 » ، وثالثةً سيطرة العلم ونفوذه في كلّ شيءٍ ، فيُقال : أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً « 3 » ووَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً « 4 » ، ورابعة العلم بما هو محلّ الحاجة لا بكلّ شيءٍ فيُقال : أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ « 5 » ،
هامش
( 1 ) سورة النساء ، الآية : 26 .
( 2 ) سورة البروج ، الآية : 20 .
( 3 ) سورة الطلاق ، الآية : 12 .
( 4 ) سورة النساء ، الآية : 26 .
( 5 ) سورة النمل ، الآية : 22 .