تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
قلت : لعلّ المراد الإشارة إلى مرتبةٍ لاحقةٍ لمرتبة الحقيقة المحمّديّة ( ص ) ، لتليها مراتب أدنى مثار الكثرة والتعدّد . الثالث : أنَّ ظاهر القرآن الكريم كون العرش على هيئة سريرٍ وإن كان بالمعنى المجرّد لا المادّي ، بخلاف الحقيقة المحمّديّة ( ص ) ؛ فإنَّها ليست على هيئة سريرٍ ، بل هي تعبيرٌ عن روحٍ إنسانيّةٍ عاليةٍ ، فيكون تفسير العرش بها مخالفاً لظواهر الكتاب العزيز . والجواب عنه : أنَّ الحقائق الروحيّة المجرّدة العليا مبرّءةٌ عن الفهم العرفي ، وليس لها ألفاظٌ موضوعةٌ في اللغة ؛ لأنَّ العرف والعقلاء يضعون اللغة طبقاً لاحتياجاتهم الحسيّة والدنيويّة والاجتماعيّة ، ومن هنا يضطرّ المتكلّم بما فيهم القرآن الكريم إلى استعمال الألفاظ المألوفة لدى العرف والعقلاء عند التعبير عن الحقائق الروحيّة المجرّدة التي لم يرها العرف ولم يضع لها ألفاظاً ، فيختار المتكلّم أقرب الألفاظ للتعبير عن مقاصده السامية ، وإن ابتعدت عن الغرض من وجهٍ . ومنه يتّضح الحاجة إلى المجاز والتعابير المسامحيّة في الحقائق المجرّدة ؛ لعدم وجود لفظٍ مطابقٍ لها في اللغة البتّة . ولا شكّ : أنَّه يمكن التعبير عن الحقيقة المحمّديّة ( ص ) بالعرش مجازاً ؛ باعتبار أنَّ العرش مورد الأمر والتدبير عند جلوس الملك عليه ، والحقيقة المحمّديّة ( ص ) مصدر الأمر ومنشأ التدبير في الكون وعالم الإمكان . الرابع : أنَّ العرش تعبيرٌ آخر عن مجموع أرواح المعصومين ( عليهم السلام ) الذين بيدهم تدبير الكون كلّه ، أي : بيدهم الأمر والخلق بالولاية التكوينيّة . إلّا أنَّ كون العرش تعبيراً آخر عنهم ( عليهم السلام ) يقتضي تعدّده ؛ لأنَّ عدد أرواحهم الطاهرة 14 ، وهو خلاف ظاهر القرآن والارتكاز المتشرّعي ، مع أنَّ وجوداتهم العليا في مرتبةٍ متأخّرةٍ عن الحقيقة المحمّديّة ( ص ) لا في مرتبتها ،
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 350 | السيد محمد الصدر / مؤسسة المنتظر لإحياء تراث آل الصدر