ثُمَّ العرش في الوصل ( بمعنى : أنَّه غير متّصل ) مفردٌ عن الكرسي ( بمعنى : أنَّ له مصداقاً مستقلًا عن الكرسي ) ؛ لأنَّهما بابان من أكبر أبواب الغيوب ، وهما جميعاً غيبان ، وهما في الغيب مقرونان ؛ لأنَّ الكرسي هو الباب الظاهر من الغيب الذي منه مطلع البدع ، ومنها الأشياء كلّها ، والعرش هو الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف والكون والقدر والحدّ والأين والمشيّة وصفة الإرادة وعلم الألفاظ والحركات ( أي : الفعل والترك ) وعلم العود والبدء » « 1 » .
أقول : العلل العليا ذات مراتب ، والعلّة الدانية منها أقرب إلى الخلق ، ولذا تسمّى بالعلّة الظاهرة ، وما فوقها العلّة الباطنة أو الغيب ؛ لعدم لحاظها ، فالكرسي هو العلّة الظاهرة ، والعرش هو العلّة الباطنة .
وقد يكون ذلك إشارةً إلى ما تقدّم من العلم الأزلي الثابت وعلم المحو والإثبات ، فيكون الكرسي عالم المحو والإثبات أو علم المحو والإثبات ويكون العرش العلم الأزلي أو القضاء المحتوم ، شرط أن لا يكون المراد من القضاء المحتوم العلم الإلهي الذاتي الذي هو عين ذاته ؛ لأنَّه في رتبةٍ أدنى متأخّرةٍ عن ذات الله سبحانه وتعالى ، مضافاً إلى أنَّ علم المحو والإثبات أدنى من علم القضاء المحتوم ، وأمّا العلم الذي هو عين ذاته فهو فوق مرتبة العلمين معاً .
وقد يُناقش في الرواية المزبورة بوجهين :
هامش
( 1 ) حسبما رواه في التوحيد : 321 ، باب العرش وصفاته ، الحديث 1 ، وبحار الأنوار 30 : 55 ، العرش والكرسي وحملتهما ، الحديث 51 ، مع اختلافٍ في بعض ألفاظه .