تجتمع فيه أزمّة الحوادث والأُمور ، كما تجتمع أزمّة المملكة في عرش الملك على التفصيل الذي تقدّم في بيان الآية . . . ففسّر الاستواء على العرش بتدبير الأمر منه وعقّبه بقوله : مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ « 1 » . والآية لمّا كانت في مقام وصف الربوبيّة والتدبير التكويني ، كان المراد بالشفاعة الشفاعة في أمر التكوين ، وهو السببيّة التي توجد في الأسباب التكوينيّة التي هي وسائط متخلّلةٌ بين الحوادث والكائنات وبينه تعالى . . . « 2 » .
ولعلّه يمكن المناقشة فيه بوجوهٍ :
الأوّل : أنَّه لا تجتمع أزمّة المملكة في عرش الملك ، والتعبير بذلك مجازٌ ؛ لأنَّ الأُمور ليست لها أزمّةٌ حقيقةً ، والزمام هو الحبل الذي يُسحب به الحيوان ، وهو يمثّل السيطرة عليها ، إلّا أنَّ التعبير به بنحو المجاز ، والأصل في الاستعمال الحقيقة ، فيلزم العمل بأصالة الحقيقة . كما لا نتصوّر أنَّ هذه الأزمّة من الحوادث مرتبطةٌ بعرش الملك ، بل هي مرتبطةٌ بالملك نفسه الجالس على العرش ، وإذا كان المقيس عليه - أي : عرش الملك - مجازاً كان المقيس - أي : العرش الإلهي - أولى بالمجاز . والحاصل : أنَّ ما ذكر يخالف أصالة الحقيقة .
الثاني : أنَّ عنوان أو مفهوم العرش تكرّر ذكره في القرآن الكريم عدّة مراتٍ ، والظاهر منه أنَّ وجوده منحازٌ ومحدودٌ في نفسه ، لا مجرّد مقامٍ أو رتبةٍ من مراتب الوجود .
الثالث : أنَّ ما أفاده ينافي بعض الآيات الدالة على أنَّ للعرش صفاتٍ
هامش
( 1 ) سورة يونس ، الآية : 3 .
( 2 ) أُنظر : الميزان في تفسير القرآن 156 : 8 - 157 ، كلامٌ في معنى العرش .