وقد يُقال في المقام : إنَّه ليس هناك مائزٌ جامعٌ مانعٌ بين الصفة المشبّهة وصيغة المبالغة ، كعدم المائز بين الكناية والاستعارة في علوم البلاغة ، مع أنَّه لا يصدق على فردٍ واحدٍ أنَّه صفةٌ مشبهةٌ وصيغة مبالغةٍ في آنٍ واحدٍ .
ثُمَّ إنَّ هذا الوزن ، سواء أكان صفةً مشبّهةً أم صيغة مبالغةٍ يفيد أمرين :
الأوّل : الثبات نحو : حسن ، كريم ، قبيح ، بخلاف اسم الفاعل واسم المفعول ؛ فإنَّهما لا يدلّان على الثبوت ، بل الحركة والزوال . فقولنا : الغفور والودود دالٌّ على ثبوت المغفرة والودّ عنده تعالى . وإذا كانت الصفة ثابتةً كانت دائمةً وشاملة بشمول قدرة الله وتدبيره . أمّا الغفّار فهو صيغة مبالغةٍ ، وهي لا تفيد الثبوت ، بخلاف الصفة المشبّهة ( الغفور ) .
الثاني : الشدّة في الصفة كما في الغفّار والغفور ، أي : كثير الغفران ، بخلاف قولنا : ( الغافر ) ؛ إذ لا يدلّ على الشدّة والكثرة والدوام في الغفران .
والفرق بين الغفران الإلهي والغفران والعفو عند البشر واضحٌ ؛ فإنَّه لو أساء إلينا زيدٌ لحقدنا عليه لمدّةٍ طويلةٍ ، وقد أعفو عنه بنحو التعارف والمجاملة لا الصدق والوفاء ، وقد أقول له : ( رحم الله والديك ) فينطق بها اللسان لا القلب ؛ وذلك للنفس الأمّارة بالسوء التي توق شحّ نفسها ، بخلاف الحقّ تعالى وغفرانه وسعة عفوه .
والوجه فيه : أنَّ الله كثير الغفران للذنوب كلّها ، حتّى الشرك مع التوبة وعبادة الأصنام والزنا وشرب الخمر ، بخلاف الإنسان القصير النظر ؛ فإنَّ نفسه الأمّارة بالسوء لا تسمح له بالغفران لمرّاتٍ عديدةٍ ؛ لعدم يقينها بالله وطول أملها بالدنيا .
ثُمَّ إنَّ الله كثير الغفران للذنوب الموبقة والخطايا والمعاصي الكبيرة بخلاف البشر ، مع أنَّ رحمة الله وعفوه من السعة بمكانٍ بحيث تشمل الخلائق
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 320
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٣٢٠