العوالم العقليّة أم الروحيّة أم المادّيّة ، فليس هناك عدمٌ بعد الوجود بالمعنى الفلسفي ، بل كلّ ما في الأمر أنَّ الشيء يوجد ثُمَّ يتلبّس بصورةٍ أُخرى ، فلا ينعدم بالمرّة ، فما هو موجود يبقى مستمرّاً ، وهذا من رحمة الله سبحانه .
يقول المادّيّون الطبيعيّون : إنَّ المادّة لا تفنى ولا تستحدث « 1 » . والوجه فيه : أنَّ رحمة الله أوسع من أن تتعرّض للفناء ، بل لابدّ من بقاء المادّة إلى أن تصل إلى غرضها الحقيقي . نعم ، قد تتبدّل المادّة إلى طاقةٍ ، والطاقة تتبدّل إلى مادّةٍ ، إلّا أنَّ وجود المادّة بما هو وجودٌ لا يفنى ولا يزول .
إن قلت : إنَّك قد اعتبرت قوله تعالى : وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى دليلًا على ما تقدّم .
قلت : لا يُراد بالمنتهى الزوال ، بل الانتهاء إلى الله تعالى ، فلم نخرج من الوجود إلى العدم ، بل من الوجود إلى الوجود ، وهو أشرف وأقرب إلى الله تعالى .
ثُمَّ إنَّ التعبير بقوله تعالى : يُبْدِئُ قد يتصوّر على نحوين :
الأوّل : ما عليه المشهور « 2 » والسيّد الطباطبائي ( قدس سره ) « 3 » من أنَّه يبدئ من الابتداء والافتتاح .
هامش
( 1 ) من جملة القائلين بهذا العالم الكيميائي ( لافوازييه ) ، أُنظر : تاريخ الفلسفة الحديثة ، قانون بقاء المادة : 289 .
( 2 ) أُنظر : الجامع لأحكام القرآن 296 : 20 ، تفسير سورة البروج ، الجواهر الحسان في تفسير القرآن 572 : 5 ، تفسير سورة البروج ، وغيرهما .
( 3 ) أُنظر : الميزان في تفسير القرآن 253 : 20 ، تفسير سورة البروج .