نعم ، لا يشترط فيها لغةً الاستحقاق ، كما إذا قيل : بطش المؤمن بالكافر ، أو بطش الإنسان بالحيوان ، أو بطش الظالم بالمظلوم . وقد يكون البطش بظلمٍ وقد يكون بعدلٍ ، وبطش الله تعالى عن حكمةٍ وعدلٍ بلا إشكالٍ .
ويفيد البطش معنيين : الأوّل : قدرة الفاعل وتسلّطه على المبطوش به . والثاني : أنَّ ما يقوم به نحو سوءٍ وعقوبةٍ لا نحو خيرٍ وراحةٍ . ويُراد بالعقوبة هنا الصعوبة لا العقوبة بمعناها الحقيقي ، سواء كانت في الدنيا أم في الآخرة . ومن هنا يتّضح : أنَّ قوله تعالى : يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ أي : في الدنيا لا في الآخرة ، وقوله تعالى : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ أي : فيما يحصل في الدنيا من عذابٍ وبلاءٍ في الأُمم السابقة : كقوم لوطٍ مثلًا .
وأشار السيّد الطباطبائي ( قدس سره ) « 1 » إلى أنَّ الآية تعطي قاعدةً عامّةً ودرساً لكلّ جبّارٍ ظالمٍ في كافّة الأزمنة ، سواء في حقّ أُولئك الذين أحرقوا المؤمنين أم الذين يؤذون رسول الله ( ص ) أو في زمان نزول الآية أو في المستقبل ، فهي تطييب لنفس النبي ( ص ) بالتأييد والنصر قبال ما لقيه من أذى المشركين .
مع أنَّه قد يُقال : إنَّ النبي ( ص ) هل يحتاج إلى تطييب نفسه في الآخرة لما لقيه من الأذى والظلم في الدنيا ؛ لأنَّه يشعر بالبلاء والأذى في الدنيا ؟ فهذا بابٌ آخر ، فالسيّد الطباطبائي ( جزاه الله خيراً ) فهم المطلب بحسب مستواه من أنَّ النبي ( ص ) يحتاج إلى تطييب نفسه ، وربّما يؤيّد ما قاله ( قدس سره ) ما ورد في زيارة النبي ( ص ) « أسرّ الحسرة وأخفى الزفرة وتجرّع الغصّة » « 2 » وما ورد عن سيّد
هامش
( 1 ) أُنظر : الميزان في تفسير القرآن 253 : 20 ، تفسير سورة البروج .
( 2 ) أُنظر : إقبال الأعمال : 606 ، الباب الرابع ، وبحار الأنوار 185 : 97 ، أبواب زيارة النبي ( ص ) وسائر المشاهد في المدينة ، الباب 3 .